باب مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ
( 34 ) بَابٌ مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ 106 - [ 82 ] عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاَثَ مِرَارٍ ، فقَالَ أبو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا ! مَنْ هُمْ يَا رسولَ الله ؟ قَالَ : الْمُسْبِلُ ، وَالْمَنَّانُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ . وفِي رِوَايَةٍ : الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ . ( 34 ) وَمِنْ بَابِ : مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( قوله : لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ ) أي : بكلامِ مَنْ يرضى عنه .
ويجوز : أن يكلِّمهم بما يكلِّمُ به مَنْ سَخِطَ عليه ؛ كما جاء في كتاب البخاري : يَقُولُ اللهُ لِمَانِعِ المَاءِ : اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي ؛ كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ ، وقد حكى الله تعالى أنَّه يقولُ للكافرين : اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ . وقيل : معناه : لا يكلِّمهم بغير واسطة ؛ استهانةً بهم . وقيل : معنى ذلك : الإعراضُ عنهم ، والغضَبُ عليهم .
ونَظَرُ الله تعالى إلى عباده : رحمتُهُ لهم ، وعطفُهُ عليهم ، وإحسانُهُ إليهم ، وهذا النظَرُ هو المنفيُّ في هذا الحديث . و ( قوله : وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) قال الزجَّاج : لا يُثْنِي عليهم ، ومن لم يُثْنِ عليه عذَّبه ، وقيل : لا يُطَهِّرهم مِنْ خُبْثِ أعمالهم ؛ لعظيمِ جُرْمهم . والعذاب الأليم : الشديدُ الألمِ المُوجِعُ .
و ( قوله : المُسْبِلُ إِزَارَهُ ) أي : الجارُّهُ خُيَلاَءَ ؛ كما جاء في الحديث الآخر مقيَّدًا مفسَّرًا . والخُيَلاَء : الكِبْرُ والعُجْب . ويَدُلُّ هذا الحديثُ بمفهومه : على أنَّ مَنْ جَرَّ ثوبه على غير وجه الخيلاء ، لم يَدْخُلْ في هذا الوعيد ؛ ولمَّا سَمِعَ أبو بكر هذا الحديثَ ، قال : يا رسولَ الله ، إنَّ جَانِبَ إزاري يسترخي ، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : لَسْتَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ ؛ خرَّجه البخاري .
وحُكْمُ الإزارِ والرداءِ والثوبِ في ذلك سواءٌ ؛ وقد روى أبو داود مِنْ حديثِ ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال : الإسْبَالُ في الإِزَارِ وَالقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ ؛ فَمَنْ جَرَّ مِنْهَا خُيَلاَءَ ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وفي طريقٍ أخرى قال ابن عمر : ما قاله رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الإزارِ ، فهو في القَمِيصِ .
قال المؤلف - رحمه الله - : وقد بيَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحدَّ الأحسَنَ والجائزَ في الإزار الذي لا يجوزُ تعدِّيه ؛ فقال فيما رواه أبو داود ، والنَّسَائي من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ : أُزْرَةُ المُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ ، مَا أَسْفَلَ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ . والمَنَّان : فَعَّالٌ من المَنِّ ، وقد فسَّره في الحديث ، فقال : هو الَّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئًا إِلاَّ منَّة ؛ أي : إلا امتَنَّ به على المُعْطَى له ، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاء ، مبطلٌ لأجرِ الصدقةِ والعطاء ، مُؤْذٍ للمُعْطَى له ؛ ولذلك قال تعالى : لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى . وإنَّما كان المَنُّ كذلك ؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن البُخْلِ ، والعُجْبِ ، والكِبْر ، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه ؛ فالبخيلُ : يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ ، وإنْ كانتْ حقيرةً في نفسها ، والعُجْبُ : يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة ، وأنَّه مُنْعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له ، ومتفضِّلٌ عليه ، وإنَّ له عليه حَقًّا يجبُ عليه مراعاتُهُ ، والكِبْرُ : يحمله على أن يحتقر المُعْطَى له ، وإنْ كان في نفسه فاضلاً ، ومُوجِبُ ذلك كلِّه الجهلُ ، ونِسْيانُ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه ؛ إذْ قد أنعَمَ عليه مما يُعْطِي ، ولم يَحْرِمْهُ ذلك ، وجعله ممَّنْ يُعْطِي ، ولم يجعلْهُ ممَّن يَسْأَل ، ولو نظَرَ ببصيرة لعَلِمَ أنَّ المِنَّةَ للآخذ ؛ لِمَا يُزِيلُ عن المعطي مِنْ إثمِ المنعِ وذَمِّ المانع ، ومن الذنوب ، ولِمَا يحصُلُ له من الأجرِ الجزيل ، والثناءِ الجميل ، ولبسط هذا موضعٌ آخر .
وقيل : المَنَّانُ في هذا الحديث : هو مِنَ المَنِّ الذي هو القَطْع ؛ كما قال الله تعالى : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي : غَيْرُ مقطوع ؛ فيكونُ معناه : البخيلَ بقطعِهِ عطاءَ ما يجبُ عليه للمستَحِقِّ ؛ كما قد جاء في حديثٍ آخر : البَخِيلُ المَنَّانُ ، فنَعَتَهُ به ، والتأويلُ الأوَّل أظهر .