باب مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ
[ 83 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلا يُزَكِّيهِمْ ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : شَيْخٌ زَانٍ ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ . و ( قوله : شَيْخٌ زَانٍ ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ) العائلُ : الفقير ، والمُعِيلُ : الكثيرُ العِيَال ؛ يقال : عال الرجلُ فهو عائلٌ : إذا افتقَرَ ، والعَيْلَةُ : الفقر ، وأعالَ فهو مُعِيلٌ : إذا كَثُرَ عياله . وإنما غلَّظ العقابَ على هؤلاءِ الثلاثة ؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تلك المعاصي مَحْضُ المعاندة ، واستخفافُ أمرِ تلك المعاصي التي اقتحموها ؛ إذْ لم يَحْمِلْهم على ذلك حاملٌ حَاجِيٌّ ، ولا دعتهم إليها ضرورةٌ كما يدعو مَنْ لم يكنْ مثلهم .
وبيانُ ذلك : أنَّ الشَّيْخَ لا حاجةَ ولا داعية له تدعوه إلى الزنى ؛ لضعفِ داعيةِ النكاحِ في حقِّه ، ولكمالِ عَقْلِه ، ولقربِ أجله ؛ إذ قد انتهى إلى طَرَفِ عمره . ونحو من ذلك المَلِكُ الكَذَّابُ ؛ إذْ لا حاجةَ له إلى الكذب ؛ فإنه يمكنه أنْ يُمَشِّيَ أغراضَهُ بالصِّدْق ، فإنْ خاف من الصدق مفسدةً ، وَرَّى . وأما العَائِلُ المُسْتَكْبِرُ : فاستحقَّ ذلك ؛ لغلبة الكِبْرِ على نفسه ؛ إذْ لا سببَ له مِنْ خارجٍ يحملُهُ على الكبر ؛ فإنَّ الكِبْرَ غالبًا إنما يكونُ بالمالِ والخَوَلِ والجاه ، وهو قد عَدِمَ ذلك كلَّه ؛ فلا مُوجِبَ له إلا غلبةُ الكِبْرِ على نفسه ، وقِلَّةُ مبالاتِهِ بتحريمِهِ وتوعيدِ الشرعِ عليه ، مع أنَّ اللائقَ به والمناسبَ لحالِهِ الرقة والتواضُعُ ؛ لفقره وعجزه .