باب مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ
[ 84 ] وَعَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاَةِ يَمْنَعُهُ ابْنِ السَّبِيلِ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلْعَةً بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا ، فَصَدَّقَهُ ، وهو عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا ؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ . وَفِي رِوَايَةٍ : سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ . و ( قوله : ورَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ ) يعني بفَضْلِ المَاءِ : ما فضَلَ عن كفاية السابق للماءِ وأَخْذِ حاجتِهِ منه ؛ فمَنْ كان كذلك فمنَعَ ما زاد على ذلك تعلَّق به هذا الوعيد .
وابنُ السَّبِيل : هو المسافر ، والسبيلُ : الطريق ، وسمِّي المسافرُ بذلك ؛ لأنَّ الطريقَ تُبْرِزه وتُظْهِره ، فكأنَّها وَلَدَتْهُ ، وقيل : سمِّي بذلك ؛ لملازمتِهِ إياه ، كما يقالُ في الغراب : ابنُ دَأْيَة ؛ لملازمتِهِ دَأْيَةَ البعيرِ الدَّبِرِ لِيَنْقُرَهَا . والفَلاَةُ : القَفْر ، وهذا هو الماءُ الذي قد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن منعه بقوله : لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ ، وسيأتي الكلامُ عليه . وقد أجمَعَ المسلمون على تحريمِ ذلك ؛ لأنَّه منَعَ ما لا حَقَّ له فيه مِنْ مستَحِقِّهِ ، وربَّما أتلفَهُ أو أتلَفَ مالَهُ وبهائمه ، فلو منعَهُ هذا الماءَ حتَّى مات عطشًا قِيدَ منه عند مالك ؛ لأنَّه قتلَهُ ، كما لو قتلَهُ بالجُوعِ أو بالسلاح .
و ( قوله : وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلْعَةً ) رويناه سِلْعَةً بغير باء ، ورويناه بالباء ؛ فعلى الباء : بايَعَ بمعنى ساوَمَ ؛ كما جاء في الرواية الأخرى : ساوَمَ ، مكان بايَعَ ، وتكونُ الباء بمعنى عن ؛ كما قال الشاعر : فَإِنْ تَسْأَلُونِي بالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ أي : عن النِّسَاء . وعلى إسقاطها : يكون معنى بايع : باع ؛ فيتعدَّى بنفسه ، وسِلْعةً : مفعولٌ . و ( قوله : فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا ) يعني : أنَّه كذَبَ فزاد في الثَّمَنِ الذي به اشتَرَى ؛ فكَذَبَ واستخَفَّ باسمِ الله تعالى حين حَلَفَ به على الكذب ، وأخَذَ مالَ غيرِهِ ظُلْمًا ؛ فقد جمع بين كبائر ، فاستَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديد .
وتخصيصُهُ بما بَعْدَ العَصْر ، يَدُلُّ على أنَّ لهذا الوقتِ من الفضلِ والحُرْمةِ ما ليس لغيره مِنْ ساعات اليوم .
قال المؤلف - رحمه الله - : ويظهرُ لي أنْ يقال : إنما كان ذلك ؛ لأنَّه عَقِبَ الصلاةِ الوُسْطَى - كما يأتي النصُّ عليه - ولمَّا كانتْ هذه الصلاةُ لها مِنَ الفضلِ وعظيمِ القَدْرِ أكثَرُ مما لغيرها ، فينبغي لمصلِّيها أن يَظْهَرَ عليه عَقبهَا من التحفُّظِ على دينه ، والتحرُّزِ على إيمانِهِ أكثَرُ مما ينبغي له عَقبَ غيرها ؛ لأنَّ الصلاةَ حَقُّهَا أن تَنْهَى عن الفحشاء والمنكر ؛ كما قال الله تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، أي : تَحْمِلُ على الامتناعِ عنْ ذلك ، مما يحدُثُ في قلب المصلِّي بسببها من النُّورِ والانشراح ، والخوفِ من الله تعالى والحياءِ منه ؛ ولهذا أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : مَنْ لم تَنْهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمُنْكَرِ ، لم يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا ، وإذا كان هذا في الصلواتِ كلِّها ، كانتِ الوسطى بذلك أولَى ، وحقُّها في ذلك أكثرَ وأوفَى ؛ فمَنِ اجترَأَ بعدها على اليمينِ الغَمُوسِ التي يأكُلُ بها مالَ الغير ، كان إثمُهُ أشدَّ وقلبُهُ أَفْسَدَ ، والله تعالى أعلم . وهذا الذي ظهَرَ لي أَوْلَى مما قاله القاضي أبو الفَضْل ؛ فإنَّه قال : إنَّما كان ذلك لاجتماعِ ملائكةِ الليلِ وملائكةِ النهار في ذلك الوَقْتِ ؛ لوجهَيْن : أحدهما : لأنَّ هذا المعنى موجودٌ في صلاة الفجر ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ العَصْرِ وَصَلاَةِ الفَجْرِ ؛ وعلى هذا فتبطُلُ خصوصيَّةُ العصر ؛ لمساواةِ الفجرِ لها في ذلك . وثانيهما : أنَّ حضورَ الملائكةِ واجتماعَهُمْ إنما هو في حالِ فعل هاتَيْنِ الصلاتين لا بعدهما ؛ كما قد نَصَّ عليه في الحديثِ حين قال : يَجْتَمِعُونَ في صلاةِ الفَجْرِ وصَلاَةِ العَصْرِ ، وتقولِ الملائكةِ : أتيناهُمْ وهم يُصَلُّونَ ، وتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ هؤلاءِ الملائكةَ لا يشاهدون من أعمالِ العبادِ إلا الصلواتِ فَقَطْ ، وبها يَشْهَدون .
فتدبَّرْ ما ذكرتُهُ ؛ فإنَّه الأنسَب الأسلَمُ ، والله أعلم . و ( قوله : وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا ) إنَّما استَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديدَ ؛ لأنَّه لم يَقُمْ لله تعالى بما وجَبَ عليه مِنَ البَيْعةِ الدينيَّة ، فإنَّها من العباداتِ التي تجبُ فيها النيَّةُ والإخلاص ، فإذا فَعَلَهَا لغيرِ اللهِ تعالى مِنْ دنيا يَقْصِدها ، أو غَرَضٍ عاجلٍ يقصده ، بَقِيَتْ عهدتُهَا عليه ؛ لأنَّه منافقٌ مُرَاءٍ غَاشٌّ للإمامِ والمسلمين ، غيرُ ناصحٍ في شيء من ذلك . ومَنْ كان هذا حاله ، كان مُثِيرًا للفتن بين المسلمين ؛ بحيثُ يَسْفِكُ دماءَهُمْ ، ويستبيحُ أموالهم ، ويَهتِكُ بلادهم ، ويَسْعَى في إهلاكهم ؛ لأنَّه إنما يكونُ مع مَنْ بلّغهُ إلى أغراضه ، فيبايعُهُ لذلك ويَنْصُرُهُ ، ويغضَبُ له ويقاتلُ مخالفَهُ ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد .
وقد تكونُ هذه المخالفة في بعضِ أغراضه ، فينكُثُ بيعتَه ، ويطلُبُ هَلَكَتَه ، كما هو حالُ أهل أكثر هذه الأزمانْ ، فإنَّهم قد عمَّهم الغَدْرُ والخِذْلاَنْ . و ( قوله : فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ ) هكذا الرواية وَفَى بتخفيفَ الفاء ، و يَفِ محذوفَ الواو والياءِ مخفَّفًا ، وهو الصحيحُ هنا روايةً ومعنًى ؛ لأنَّه يقال : وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً ، والوفاءُ ممدودٌ ضِدُّ الغدر ، ويقال : أوفَى ، بمعنى : وَفَى ، وأما وَفَّى المشدَّدُ الفاءِ ، فهي بمعنى توفيةِ الحَقِّ وإعطائِهِ ؛ يقال : وفَّاه حَقَّهُ يُوَفِّيهِ تَوْفِيَةً ؛ ومنه قوله تعالى : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾، أي : قام بما كُلِّفَهُ مِنَ الأعمالِ ؛ كخِصَالِ الفطرة وغيرها ؛ كما قال الله تعالى : فَأَتَمَّهُنَّ ، وحكى الجوهريُّ : أوفاه حقَّه .
قال المؤلف - رحمه الله - : وعلى هذا وعلى ما تقدَّم ، فيكونُ أَوْفَى بمعنى الوفاء بالعهد ، وتوفيةِ الحق . والأصلُ في أَوْفَى : أَطَلَّ على الشيء ، وأشرَفَ عليه . و ( قوله : والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِب ) الروايةُ في المُنَفِّق : بفتح النون وكسر الفاء مشدَّدة ، وهي مضاعَفُ : نَفَقَ البِيعُ يَنْفُقُ نَفَاقًا : إذا خرَجَ ونفَدَ ، وهو ضدُّ كَسَدَ ، غيرَ أنَّ نَفَقَ المخفَّفَ لازمٌ ، فإذا شُدِّد ، عُدِّي إلى المفعول ، ومفعولُهُ هنا سِلْعة .
وقد وصَفَ الحَلِف وهي مؤنَّثة ، بالكاذب وهو وصفُ مذكَّرٍ ، وكأنَّه ذهب بالحلفِ مذهبَ القَوْل فذكَّره ، أو مذهَبَ المصدر ، وهو مِثْلُ قولهم : أتاني كِتَابُهُ فَمَزَّقْتُهَا ؛ ذهب بالكتابِ مذهَبَ الصَّحِيفة ، والله تعالى أعلم .