[ 175 ] ( 109 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا . وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ح . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ ح . وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ ذَكْوَانَ . [ 176 ] ( 110 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ . - حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْعِميُّ ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ . [ 177 ] - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهْوَ كَمَا قَالَ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ . هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهْوَ كَمَا قَالَ ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . [ 178 ] ( 111 ) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ : هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَى النَّارِ ، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ : أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ . [ 179 ] ( 112 ) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ ، حَيٌّ مِنْ الْعَرَبِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا ، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ ، فَقَالُوا : مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا ، قَالَ : فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ ، قَالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : أَنَا لَكُمْ بِهِ ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ . [ 180 ] ( 113 ) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِيُّ ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قُرْحَةٌ ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، فَنَكَأَهَا فَلَمْ يَرْقَأْ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ رَبُّكُمْ : قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ . ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ : إِي وَاللَّهِ ، لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ . [ 181 ] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ، فَمَا نَسِينَا ، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ .. فَذَكَرَ نَحْوَهُ . ( 47 ) بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ ( وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ) فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ ) . وَفِي رِوَايَةٍ : ( مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ) . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا قِلَّةً ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ ) وَفِي الْبَابِ الْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ ، وَسَتَمُرَّ عَلَى أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . أَمَّا الْأَسْمَاءُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْإِسْنَادِ فَفِيهِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنَ الْكُنَى وَالدَّقَائِقِ كَقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ فَائِدَةِ قَوْلِهِ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ، وَكَقَوْلِهِ : عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَالْأَعْمَشُ مُدَلِّسٌ ، وَالْمُدَلِّسُ إِذَ قَالَ : ( عَنْ ) لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ السَّمَاعُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى . وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْمُدَلِّسِ بِعَنْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ السَّمَاعُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَقَدْ جَاءَ هُنَا مُبَيَّنًا فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ . وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ إِلَخْ إِسْنَادُهُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ مَدَنِيٌّ . وَاسْمُ الْأَشَجِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَصِينٍ . تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ قَبْلَ مُسْلِمٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ . وَقَوْلُهُ : كُلُّهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلُهُ وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ هَذَا الْإِسْنَادَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةَ الْمَذْكُورِينَ وَهُمْ : جَرِيرٌ وَعَبْثَرٌ ، وَشُعْبَةُ ، رَوَوْهُ عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى ، إِلَّا أَنَّ شُعْبَةَ زَادَ هُنَا فَائِدَةً حَسَنَةً فَقَالَ عَنْ سُلَيْمَانَ وَهُوَ الْأَعْمَشُ قَالَ : سَمِعْتُ ذَكْوَانَ وَهُوَ أَبُو صَالِحٍ فَصَرَّحَ بِالسَّمَاعِ . وَفِي الرِّوَايَاتِ الْبَاقِيَةِ يَقُولُ : ( عَنْ ) ، وَالْأَعْمَشُ مُدَلِّسٌ لَا يُحْتَجُّ بِعَنْعَنَتِهِ إِلَّا إِذَا صَحَّ سَمَاعُهُ الَّذِي عَنْعَنَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( أَبُو قِلَابَةَ ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ . وَقَوْلُهُ : عَنْ ( خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ) قَالُوا : إِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْحَذَّاءُ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ فِي الْحَذَّائِينَ ، وَلَمْ يَحْذُ نَعْلًا قَطُّ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَرُوِّينَا عَنْ فَهْدِ بْنِ حَيَّانَ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ : لَمْ يَحْذُ خَالِدٌ قَطُّ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ : احْذُوَا عَلَى هَذَا النَّحْوِ فَلُقِّبَ الْحَذَّاءُ ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ مِهْرَانَ أَبُو الْمُنَازِلِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالزَّايِ وَاللَّامِ . وَقَوْلُهُ : ( عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضِّحَاكِ الْأَنْصَارِيِّ ) ثُمَّ تَحَوَّلَ الْإِسْنَادُ فَقَالَ : ( عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضِّحَاكِ ) قَدْ يُقَالُ : هَذَا تَطْوِيلٌ لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ عَادَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَكَانَ حَقُّهُ وَمُقْتَضَى عَادَتِهِ أَنْ يَقْتَصِرَ أَوَّلًا عَلَى أَبِي قِلَابَةَ ، ثُمَّ يَسُوقُ الطَّرِيقَ الْآخَرَ إِلَيْهِ ، فَأَمَّا ذِكْرُ ثَابِتٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ أَوَّلًا ، وَجَوَابُهُ : أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ نَسَبَ ثَابِتَ بْنَ الضِّحَاكِ فَقَالَ ( الْأَنْصَارِيُّ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ خَالِدٍ وَلَمْ يَنْسُبهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ فِعْلِ مَا فَعَلَ لِيَصِحَّ ذِكْرُ نَسَبِهِ . قَوْلُهُ : ( يَعْقُوبُ الْقَارِيُّ ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ تَقَدَّمَ قَرِيبًا . وَ ( أَبُو حَازِمٍ ) الرَّاوِي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَاعْدٍ السَّاعِدِيُّ اسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ . وَالرَّاوِي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ اسْمُه سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا لُغَاتُ الْبَابِ وَشِبْهُهَا فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ ) هُوَ بِالْجِيمِ وَهَمْزِ آخِرِهِ ، وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهُ بِقَلْبِ أَلِفًا وَمَعْنَاهُ يَطْعَنُ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يَتَرَدَّى ) يَنْزِلُ . وَأَمَّا ( جَهَنَّمُ ) فَهُوَ اسْمٌ لِنَارِ الْآخِرَةِ عَافَانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ . قَالَ يُونُسُ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ : هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ عَرَبِيَّةٌ لَمْ تُصْرَفْ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا . قَالَ رُؤْبَةُ : يُقَالُ : بِئْرٌ جَهَنَّامٌ : أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ ، وَقِيلَ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ الْغِلَظُ ; يُقَالُ : جَهْمُ الْوَجْهِ أَيْ غَلِيظُهُ ، فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمَ لِغِلَظِ أَمْرِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ شَرِبَ سَمًّا فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ ) هُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا ، ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْفَتْحُ أَفْصَحُهُنَّ الثَّالِثَةُ فِي الْمَطَالِعِ وَجَمْعُهُ سِمَامٌ وَمَعْنَى ( يَتَحَسَّاهُ ) يَشْرَبُهُ فِي تَمَهُّلٍ وَيَتَجَرَّعُهُ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً ) هَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ يُقَالُ : دَعْوَى بَاطِلٌ وَبَاطِلَةٌ ، وَكَاذِبٌ وَكَاذِبَةٌ حَكَاهُمَا صَاحِبُ ( الْمُحْكَمِ ) وَالتَّأْنِيثُ أَفْصَحُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ) فَضَبَطْنَاهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَ الْكَافِ ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ . وَضَبَطَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَمَدِينَ فِي نُسْخَتِهِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَلَهُ وَجْهٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْ يَصِيرُ مَالُهُ كَبِيرًا عَظِيمًا . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ ) كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ هَذَا الْقَدْرُ فَحَسْبُ ، وَفِيهِ مَحْذُوفٌ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : لَمْ يَأْتِ فِي الْحَدِيثِ هُنَا الْخَبَرُ عَنْ هَذَا الْحَالِفِ إِلَّا أَنْ يَعْطِفَهُ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلِهِ : وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ بِهَا إِلَّا قِلَّةً ، أَيْ وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَهُوَ مِثْلُهُ . قَالَ : وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ تَامًّا مُبَيَّنًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ " وَيَمِينُ الصَّبْرِ هِيَ الَّتِي أُلْزِمَ بِهَا الْحَالِفُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَنَحْوِهِ . وَأَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ وَالْإِمْسَاكُ . وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا ) كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : صَوَابُهُ ( خَيْبَرُ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ . وقَوْلُهُ : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ) أَيْ قُلْتَ فِي شَأْنِهِ وَفِي سَبَبِهِ . قَالَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ الشَّجَرِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : اللَّامُ قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى ( فِي ) وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ فِيهِ . وَقَوْلُهُ : ( آنِفًا ) أَيْ قَرِيبًا ، وَفِيهِ لُغَتَانِ الْمَدُّ ، وَهُوَ أَفْصَحُ ، وَالْقَصْرُ . وَقَوْلُهُ : ( فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( أَنْ يَرْتَابَ ) فَأَثْبَتَ أَنْ مَعَ كَادَ وَهُوَ جَائِزٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ ، وَكَادَ لِمُقَارَبَةِ الْفِعْلِ وَلَمْ يَفْعَلْ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا نَفْيٌ ، فَإِنْ تَقَدَّمَهَا كَقَوْلِكَ : مَا كَادَ يَقُومُ كَانَتْ دَالَّةٌ عَلَى الْقِيَامِ لَكِنْ بَعْدَ بُطْءٍ . كَذَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْعَرَبِ وَاللُّغَةِ . وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ : إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينِ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ) يَجُوزُ فِي إِنَّهُ وَإِنَّ كَسْرُ الْهَمْزَةِ ، وَفَتْحُهَا . وَقَدْ قُرِئَ فِي السَّبْعِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا . وَقَوْلُهُ : ( لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا ) الشَّاذُّ وَالشَّاذَّةُ الْخَارِجُ وَالْخَارِجَةُ عَنْ الْجَمَاعَةِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : أَنَّثَ الْكَلِمَةَ عَلَى مَعْنَى النَّسَمَةِ أَوْ تَشْبِيهِ الْخَارِجِ بِشَاذَّةِ الْغَنَمِ . وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدَعُ أَحَدًا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ . قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : يُقَالُ فُلَانٌ لَا يَدَعُ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِذَا كَانَ شُجَاعًا لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ . وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ لَا يَدَعُ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً اسْمُهُ ( قُزْمَانُ ) قَالَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : وَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ . وَقَوْلُهُ : ( مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ ) مَهْمُوزٌ مَعْنَاهُ مَا أَغْنَى وَكَفَى أَحَدٌ غِنَاءَهُ وَكِفَايَتَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَنَا صَاحِبُهُ ) كَذَا فِي الْأُصُولِ . وَمَعْنَاهُ أَنَا أَصْحَبُهُ فِي خُفْيَةٍ وَأُلَازِمُهُ لِأَنْظُرَ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ; فَإِنَّ فِعْلَهُ فِي الظَّاهِرِ جَمِيلٌ وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ عَجِيبٍ . قَوْلُهُ : ( وَوَضَعَ ذُبَابَ السَّيْفِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ) هُوَ بِضَمِّ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُكَرَّرَةِ ، وَهُوَ طَرَفَهُ الْأَسْفَلُ . وَأَمَّا طَرَفَهُ الْأَعْلَى فَمِقْبَضُهُ . وَقَوْلُهُ : ( بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ) هُوَ تَثْنِيَةُ ثَدْيٍ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَهُوَ يُذَكَّرُ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْفَرَّاءُ وَثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُمَا . وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِيهِ التَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ . قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الثَّدْيُ لِلْمَرْأَةِ ، وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ الرَّجُلِ : ثَنْدُوَةٌ وَثُنْدُؤَةٌ بِالْفَتْحِ بِلَا هَمْزَةٍ وَبِالضَّمِّ مَعَ الْهَمْزَةِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَالثَّدْيُ لِلْمَرْأَةِ وَلِلرَّجُلِ . فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ فَارِسٍ يَكُونُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدِ اسْتَعَارَ الثَّدْيَ لِلرَّجُلِ ، وَجَمْعُ الثَّدْيِ أَثْدٍ وَثُدِيٌّ وَثِدِيٌّ بِضَمِّ الثَّاءِ وَكَسْرِهَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( خَرَجَتْ بِرَجُلٍ قَرْحَةٌ فَآذَتْهُ فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا ، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( خَرَجَ بِهِ خُرَّاجٌ ) الْقَرْحَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهِيَ وَاحِدَةُ الْقُرُوحِ وَهِيَ حَبَّاتٌ تَخْرُجُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَالْكِنَانَةُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَهِيَ جَعْبَةُ النُّشَّابِ مَفْتُوحَةٌ الْجِيمِ سُمِّيَتْ كِنَانَةٌ لِأَنَّهَا تَكِنُّ السِّهَامَ أَيْ تَسْتُرُهَا . وَمَعْنَى ( نَكَأَهَا ) قَشَرَهَا وَخَرَقَهَا وَفَتَحَهَا وَهُوَ مَهْمُوزٌ . وَمَعْنَى ( لَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ ) أَيْ لَمْ يَنْقَطِعْ وَهُوَ مَهْمُوزٌ . يُقَالُ رَقَأَ الدَّمُ وَالدَّمْعُ يَرْقَأُ رُقُوءًا مِثْلُ رَكَعَ يَرْكَعُ رُكُوعًا إِذَا سَكَنَ وَانْقَطَعَ . ( وَالْخُرَاجُ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَهُوَ الْقُرْحَةُ . قَوْلُهُ : ( فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ كَذَبَ ) هُوَ نَوْعٌ مِنْ تَأْكِيدِ الْكَلَامِ وَتَقْوِيَتِهِ فِي النَّفْسِ أَوِ الْإِعْلَامِ بِتَحْقِيقِهِ وَنَفْيِ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ إِلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا أَحْكَامُ الْحَدِيثِ وَمَعَانِيهَا فَفِيهَا بَيَانُ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ ، وَالْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ الَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ غَيْرِهِ ، وَالْحَلِفُ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَقَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إِنْ كَانَ كَذَا أَوْ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَشِبْهُ ذَلِكَ . وَفِيهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا يَلْزَمُ بِهَذَا النَّذْرِ شَيْءٌ . وَفِيهَا تَغْلِيظُ تَحْرِيمِ لَعَنِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ : لَا يَجُوزُ لَعْنُ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا الدَّوَابِّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَاسِقِ وَغَيْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَعْنُ أَعْيَانِ الْكُفَّارِ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا إِلَّا مَنْ عَلِمْنَا بِالنَّصِّ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا كَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ وَشِبْهِهِمَا ، وَيَجُوزُ لَعْنُ طَائِفَتِهِمْ كَقَوْلِكَ : لَعَنَ اللَّهُ الْكُفَّارَ ، وَلَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ) فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي أَصْلِ التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ أَغْلَظَ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ ، وَقِيلَ : غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) فَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ فَهَذَا كَافِرٌ ، وَهَذِهِ عُقُوبَتُهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُلُودِ طُولُ الْمُدَّةِ وَالْإِقَامَةِ الْمُتَطَاوِلَةِ لَا حَقِيقَةَ الدَّوَامِ كَمَا يُقَالُ : خَلَّدَ اللَّهُ مُلْكَ السُّلْطَانِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ وَلَكِنْ تَكَرَّمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّدُ فِي النَّارِ مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ مِنَ الْقَاتِلِ يَكُونُ بِمَا قَتَلَ بِهِ مُحَدَّدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ اقْتِدَاءً بِعِقَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَاتِلِ نَفْسِهِ . وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا لِهَذَا ضَعِيفٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا ) فَفِيهِ بَيَانٌ لِغِلَظِ تَحْرِيمِ هَذَا الْحَلِفِ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَاذِبًا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّقْيِيدَ وَالِاحْتِرَازَ مِنَ الْحَلِفِ بِهَا صَادِقًا لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ الْحَالِفُ بِهَا عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعَظِّمًا لِمَا حَلَفَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا عَظَمَتَهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي الصُّورَةِ لِكَوْنِهِ عَظَّمَهُ بِالْحَلِفِ بِهِ ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا حُمِلَ التَّقْيِيدُ بِكَاذِبًا عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِصُورَةٍ الْحَالِفَ ، وَيَكُونُ التَّقْيِيدُ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ وَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . ثُمَّ إِنْ كَانَ الْحَالِفُ بِهِ مُعَظِّمًا لِمَا حَلَفَ بِهِ مُجِلًّا لَهُ كَانَ كَافِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَظِّمًا بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي حَلِفِهِ بِمَا لَا يَحْلِفُ بِهِ ، وَمُعَامَلَتُهُ إِيَّاهُ مُعَامَلَةَ مَا يَحْلِفُ بِهِ ، وَلَا يَكُونُ كَافِرًا خَارِجًا عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكُفْرِ ، وَيُرَادُ بِهِ كُفْرُ الْإِحْسَانِ ، وَكُفْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحْلِفَ هَذَا الْحَلِفَ الْقَبِيحَ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَا وَرَدَ مِنْ مِثْلِ هَذَا مِمَّا ظَاهِرُهُ تَكْفِيرُ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ ، وَهَذَا مَعْنًى مَلِيحٌ ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ كَافِرَ النِّعَمِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً ) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ دَعْوَى يَتَشَبَّعُ بِهَا الْمَرْءُ بِمَا لَمْ يُعْطَ مِنْ مَالٍ يَخْتَالُ فِي التَّجَمُّلِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ نَسَبٍ يَنْتَمِي إِلَيْهِ ، أَوْ عِلْمٍ يَتَحَلَّى بِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حَمَلَتِهِ ، أَوْ دِينٍ يُظْهِرُهُ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ ، فَقَدْ أَعْلَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ غَيْرُ مُبَارَكٍ لَهُ فِي دَعْوَاهُ ، وَلَا زَاكٍ مَا اكْتَسَبَهُ بِهَا . وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) فَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالْأَعْمَالِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ لَا يَتَّكِلَ عَلَيْهَا ، وَلَا يَرْكَنَ إِلَيْهَا مَخَافَةً مِنَ انْقِلَابِ الْحَالِ لِلْقَدْرِ السَّابِقِ . وَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاصِي أَنْ لَا يَقْنَطَ وَلِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُقَنِّطَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى . وَمَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ . وَكَذَا عَكْسُهُ أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَعُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ قَالَ رَبُّكُمْ قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) فَقَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِلًّا ، أَوْ يُحْرَمُهَا حِينَ يَدْخُلُهَا السَّابِقُونَ وَالْأَبْرَارُ ، أَوْ يُطِيلُ حِسَابَهُ ، أَوْ يُحْبَسُ فِي الْأَعْرَافِ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ شَرْعَ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ تَكْفِيرُ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَكَأَهَا اسْتِعْجَالًا لِلْمَوْتِ أَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْمُدَاوَاةِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَفْعُهَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب تَحْرِيمِ قَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ يعُذِّب بِهِ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلم · ص 289 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ · ص 313 113 - [ 87] وَعَنْ جُنْدَبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِوَجْهِهِ قُرْحَةٌ ، فَلَمَّا آذَتْهُ ، انْتَزَعَ سَهمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، فَنَكَأَهَا ، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ رَبُّكُمْ : قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ . و ( قوله : إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِوَجْهِهِ قُرْحَةٌ ) القُرْحَةُ : واحدةُ القُرَحِ والقروح ، وهي الجِرَاحُ ؛ يقال منه : قَرِحَ جِلْدُهُ بالكسر يَقْرَحُ قَرَحًا ، ويقال : القَرْحُ والقُرْحُ - بفتح القاف وضمِّها - لغتان عن الأخفش ، وقال غيره : القَرْحُ ، بالفتح : الجَرْح ، وبالضمِّ : ألمُ الجراح . و ( قوله : فَنَكَأَهَا ) بهمزةٍ مفتوحةٍ على الألف ، أي : قَشَرها وفَجَرها . و ( قوله : فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ) أي : لم ينقطع ، وهو بالهمز ؛ يقال : رَقَأ الدَّمُ يَرْقَأُ : إذا انقطع ؛ ويروى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : لاَ تَسُبُّوا الإِْبِلَ ؛ فَإِنَّ فِيهَا رَقُوءَ الدَّمِ ، أي : إذا دُفِعَتِ الإبلُ في الدية ، ارتفَعَ القصاصُ والقَتْلُ وانقطَعَ الدم . وهذا الفعلُ مِنْ هذا الرجل يَحْتملُ أن يكونَ : إنَّما حمله عليه الجزَعُ والتبرُّمُ واستعجالُ الموت ؛ فيكونُ ممَّن قتَلَ نفسه بحديدةٍ ؛ فيكونُ فِعْله نحوًا ممَّا فعله الذي أصابتْهُ جِرَاحَةٌ في الحرب ، فاستعجَلَ الموتَ ، فوضَعَ نَصْلَ سيفه بالأرض ، وذُبَابَهُ بين ثديَيْهِ ، فتحامَلَ عليه ، فقتَلَ نفسه . ويَحْتملُ أن يكونَ قصَدَ بَطَّ تلك الجراحةِ ؛ ليخفف عنه الألَمُ ، ففرَّطَ في التحرُّز ، فعوقبَ على تفريطه . ويُستفادُ مِنَ التأويلِ الأوَّل : وجوبُ الصبرِ على الآلام ، وتحريمُ استعجالِ الموتِ عند شِدَّةِ الآلام وإنْ أيقَنَ به . ومِنَ التأويل الثاني : وجوبُ التحرُّزِ مِنَ الأدويةِ المَخُوفَةِ والعلاجِ الخطر ، وتحريمُ التقصيرِ في التحرُّزِ مِنْ ذلك ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ) أي : في الإثم . ووجهه : أنَّ مَنْ قال لمؤمنٍ : لَعَنَهُ اللهُ ، فقد تضمَّنَ قولُهُ ذلك إبعادَهُ عن رحمةِ الله تعالى التي رَحِمَ بها المسلمين ، وإخراجَهُ مِنْ جملتهم في أحكامِ الدنيا والآخرة ، ومَنْ كان كذلك ، فقد صار بمنزلةِ المَفْقُودِ عن المسلمين بعد أَنْ كان موجودًا فيهم ؛ إذْ لم يَنْتفِعْ بما انتفَعَ به المسلمون ، ولا انتفَعُوا به ؛ فأشبَهَ ذلك قتلَهُ . وعلى هذا فيكونُ إثمُ اللاعنِ كَإِثْمِ القاتل ، غير أنَّ القاتِلَ أَدْخَلُ في الإثم ؛ لأنَّه أفقَدَ المقتولَ حِسًّا ومعنًى ، واللاعنُ أفقدَهُ معنًى ، فإثمه أخفُّ منه ، لكنَّهما قد اشتَرَكَا في مطلَقِ الإثمِ ، فصدَقَ عليه أنَّه مِثْلُهُ ، والله أعلم . و ( قوله : وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً ، يعني - والله أعلم - : أَنَّ مَنْ تظاهَرَ بشيء مِنَ الكمال ، وتعاطاه ، وادَّعَاهُ لنفسه ، وليس موصوفًا به ، لم يَحْصُلْ له مِنْ ذلك إلاَّ نقيضُ مقصودِهِ ، وهو النقص : فإنْ كان المُدَّعَى مالاً ، لم يبارَكْ له فيه ، أو علمًا ، أظهَرَ اللهُ جَهلَهُ ، فاحتقَرَهُ الناس ، فقَلَّ مقدارُهُ عندهم . وكذلك لو ادَّعَى دِينًا أو نَسَبًا أو غَيْرَ ذلك ، فضَحَهُ اللهُ ، وأظهَرَ باطلَهُ ؛ فقَلَّ مقدارُهُ ، وذَلَّ في نفسه ؛ فحصَلَ على نقيضِ قصده ؛ وهذا نحو قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً ، أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا ، ونحو منه قولُهُ تعالى : وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا وقولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ . وفائدةُ الحديث : الزجرُ عن الرياءِ وتعاطيه ، ولو كان بأمورِ الدنيا . و ( قوله : وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ ) كذا صحَّتِ الروايةُ في أصلِ كتابِ مسلم لهذا الكلام ، مقتصرًا على ذكر جملة الشرط مِنْ غير ذكرِ جملةِ الجزاء ؛ فَيَحتمِلُ : أن سكَتَ عنه ؛ لأنَّه عطفَهُ على مَنْ التي قبلها ، فكأنَّه قال : ومن حلف يمينًا فاجرة ، كان كذلك ، أي : لم يَزِدْهُ اللهُ بها إلاَّ قِلَّةً ؛ قاله القاضي عِيَاض . قال المؤلف - رحمه الله - : ويَحتمِلُ : أن يكونَ الجزاءُ محذوفًا ، ويكونَ تقديره : مَنْ فعَلَ ذلك ، غَضِبَ اللهُ عليه ، أو عاقَبَهُ ، أو نحو ذلك ؛ كما جاء في الحديثِ الآخر : مَنْ حلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبَانُ . والروايةُ في يَمِينٍ صَبْرٍ بالتنوينِ على أنَّ صَبْرًا صفةٌ اليَمِين ، أي : ذاتِ صَبْرٍ . وأصلُ الصبر : الحَبْسُ ؛ كما قال عنترةُ : فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً . . . . . . . . . أي : حَبَسْتُ في الحربِ نَفْسًا معتادةً لذلك كريمةً لا ترضَى بالفرار . وقال أبو العبَّاس : الصبرُ ثلاثةُ أشياء : الحبسُ ، والإكراهُ ، والجرأة ؛ كما قال تعالى : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ أي : ما أجرأَهُمْ عليها . ووُصِفَتِ اليمينُ بأنَّها ذاتُ صَبْرٍ ؛ لأنَّها تَحْبِسُ الحالفَ لها ، أو لأنَّ الحالفَ يجترئُ عليها ، وذكر الصبر ، وقد أجراه صفةً على اليمين ، وهي مؤنَّثةٌ ؛ لأنَّه قَصَدَ قَصْدَ المصدرِ .