باب مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ
[ 87] وَعَنْ جُنْدَبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِوَجْهِهِ قُرْحَةٌ ، فَلَمَّا آذَتْهُ ، انْتَزَعَ سَهمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، فَنَكَأَهَا ، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ رَبُّكُمْ : قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ . و ( قوله : إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِوَجْهِهِ قُرْحَةٌ ) القُرْحَةُ : واحدةُ القُرَحِ والقروح ، وهي الجِرَاحُ ؛ يقال منه : قَرِحَ جِلْدُهُ بالكسر يَقْرَحُ قَرَحًا ، ويقال : القَرْحُ والقُرْحُ - بفتح القاف وضمِّها - لغتان عن الأخفش ، وقال غيره : القَرْحُ ، بالفتح : الجَرْح ، وبالضمِّ : ألمُ الجراح . و ( قوله : فَنَكَأَهَا ) بهمزةٍ مفتوحةٍ على الألف ، أي : قَشَرها وفَجَرها .
و ( قوله : فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ) أي : لم ينقطع ، وهو بالهمز ؛ يقال : رَقَأ الدَّمُ يَرْقَأُ : إذا انقطع ؛ ويروى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : لاَ تَسُبُّوا الإِْبِلَ ؛ فَإِنَّ فِيهَا رَقُوءَ الدَّمِ ، أي : إذا دُفِعَتِ الإبلُ في الدية ، ارتفَعَ القصاصُ والقَتْلُ وانقطَعَ الدم . وهذا الفعلُ مِنْ هذا الرجل يَحْتملُ أن يكونَ : إنَّما حمله عليه الجزَعُ والتبرُّمُ واستعجالُ الموت ؛ فيكونُ ممَّن قتَلَ نفسه بحديدةٍ ؛ فيكونُ فِعْله نحوًا ممَّا فعله الذي أصابتْهُ جِرَاحَةٌ في الحرب ، فاستعجَلَ الموتَ ، فوضَعَ نَصْلَ سيفه بالأرض ، وذُبَابَهُ بين ثديَيْهِ ، فتحامَلَ عليه ، فقتَلَ نفسه . ويَحْتملُ أن يكونَ قصَدَ بَطَّ تلك الجراحةِ ؛ ليخفف عنه الألَمُ ، ففرَّطَ في التحرُّز ، فعوقبَ على تفريطه .
ويُستفادُ مِنَ التأويلِ الأوَّل : وجوبُ الصبرِ على الآلام ، وتحريمُ استعجالِ الموتِ عند شِدَّةِ الآلام وإنْ أيقَنَ به . ومِنَ التأويل الثاني : وجوبُ التحرُّزِ مِنَ الأدويةِ المَخُوفَةِ والعلاجِ الخطر ، وتحريمُ التقصيرِ في التحرُّزِ مِنْ ذلك ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ) أي : في الإثم .
ووجهه : أنَّ مَنْ قال لمؤمنٍ : لَعَنَهُ اللهُ ، فقد تضمَّنَ قولُهُ ذلك إبعادَهُ عن رحمةِ الله تعالى التي رَحِمَ بها المسلمين ، وإخراجَهُ مِنْ جملتهم في أحكامِ الدنيا والآخرة ، ومَنْ كان كذلك ، فقد صار بمنزلةِ المَفْقُودِ عن المسلمين بعد أَنْ كان موجودًا فيهم ؛ إذْ لم يَنْتفِعْ بما انتفَعَ به المسلمون ، ولا انتفَعُوا به ؛ فأشبَهَ ذلك قتلَهُ . وعلى هذا فيكونُ إثمُ اللاعنِ كَإِثْمِ القاتل ، غير أنَّ القاتِلَ أَدْخَلُ في الإثم ؛ لأنَّه أفقَدَ المقتولَ حِسًّا ومعنًى ، واللاعنُ أفقدَهُ معنًى ، فإثمه أخفُّ منه ، لكنَّهما قد اشتَرَكَا في مطلَقِ الإثمِ ، فصدَقَ عليه أنَّه مِثْلُهُ ، والله أعلم . و ( قوله : وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً ، يعني - والله أعلم - : أَنَّ مَنْ تظاهَرَ بشيء مِنَ الكمال ، وتعاطاه ، وادَّعَاهُ لنفسه ، وليس موصوفًا به ، لم يَحْصُلْ له مِنْ ذلك إلاَّ نقيضُ مقصودِهِ ، وهو النقص : فإنْ كان المُدَّعَى مالاً ، لم يبارَكْ له فيه ، أو علمًا ، أظهَرَ اللهُ جَهلَهُ ، فاحتقَرَهُ الناس ، فقَلَّ مقدارُهُ عندهم .
وكذلك لو ادَّعَى دِينًا أو نَسَبًا أو غَيْرَ ذلك ، فضَحَهُ اللهُ ، وأظهَرَ باطلَهُ ؛ فقَلَّ مقدارُهُ ، وذَلَّ في نفسه ؛ فحصَلَ على نقيضِ قصده ؛ وهذا نحو قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً ، أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا ، ونحو منه قولُهُ تعالى : وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا وقولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ . وفائدةُ الحديث : الزجرُ عن الرياءِ وتعاطيه ، ولو كان بأمورِ الدنيا . و ( قوله : وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ ) كذا صحَّتِ الروايةُ في أصلِ كتابِ مسلم لهذا الكلام ، مقتصرًا على ذكر جملة الشرط مِنْ غير ذكرِ جملةِ الجزاء ؛ فَيَحتمِلُ : أن سكَتَ عنه ؛ لأنَّه عطفَهُ على مَنْ التي قبلها ، فكأنَّه قال : ومن حلف يمينًا فاجرة ، كان كذلك ، أي : لم يَزِدْهُ اللهُ بها إلاَّ قِلَّةً ؛ قاله القاضي عِيَاض .
قال المؤلف - رحمه الله - : ويَحتمِلُ : أن يكونَ الجزاءُ محذوفًا ، ويكونَ تقديره : مَنْ فعَلَ ذلك ، غَضِبَ اللهُ عليه ، أو عاقَبَهُ ، أو نحو ذلك ؛ كما جاء في الحديثِ الآخر : مَنْ حلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبَانُ . والروايةُ في يَمِينٍ صَبْرٍ بالتنوينِ على أنَّ صَبْرًا صفةٌ اليَمِين ، أي : ذاتِ صَبْرٍ . وأصلُ الصبر : الحَبْسُ ؛ كما قال عنترةُ : فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً .
أي : حَبَسْتُ في الحربِ نَفْسًا معتادةً لذلك كريمةً لا ترضَى بالفرار . وقال أبو العبَّاس : الصبرُ ثلاثةُ أشياء : الحبسُ ، والإكراهُ ، والجرأة ؛ كما قال تعالى : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ أي : ما أجرأَهُمْ عليها . ووُصِفَتِ اليمينُ بأنَّها ذاتُ صَبْرٍ ؛ لأنَّها تَحْبِسُ الحالفَ لها ، أو لأنَّ الحالفَ يجترئُ عليها ، وذكر الصبر ، وقد أجراه صفةً على اليمين ، وهي مؤنَّثةٌ ؛ لأنَّه قَصَدَ قَصْدَ المصدرِ .