حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ

[ 86 ] وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ؛ أَنَّهُ بَايَعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، وَأَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِْسْلاَمِ كَاذِبًا فهو كما قال - وَفِي رِوَايَةٍ : مُتَعَمِّدًا - وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لاَ يَمْلِكُهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ . وَفِيهَا : وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ .

وَفِي أُخْرَى : وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ، ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . و ( قوله : إِنَّهُ بَايَعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) وَكَانَتْ سَمُرَةً ، وهذه بيعةُ الرضوانِ التي قال الله فيها : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ . وكانتْ قبل فَتْحِ مَكَّة في ذي القَعْدَةِ سنة سِتٍّ من الهجرة .

وكان سببها : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قصَدَ إلى مَكَّةَ معتمرًا ، فلمَّا بلغ الحُدَيْبِيَةَ - وهي موضعٌ فيه ماءٌ ، بينه وبين مَكَّةَ نحو من أميال - صَدَّتْهُ قريشٌ عن الدخولِ إلى البيت ، فوجَّه لهم عثمانَ رَسُولاً ، فَتُحُدِّثَ أنَّ قريشًا قتلوه ، فتهيَّأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لحربهم ، فبايَعَ أصحابَهُ تلك البيعةَ على الموت ، أو على ألاَّ يَفِرُّوا ؛ كما سيأتي ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : مَنْ حلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلاَمِ ) اليمينُ هنا : يعني به المحلوفَ عليه ؛ بدليلِ ذكْرِهِ المحلوفَ به ، وهو بملَّةٍ غيرِ الإسلام . ويجوز أن يقال : إنَّ عَلَى صِلَةٌ ، وينتصبُ يَمِين على أنَّه مصدرٌ مُلاَقٍ في المعنَى لا في اللفظ .

و ( قوله : كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا ) يحتملُ أن يريدَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ كان معتقدًا لتعظيمِ تلك المِلّةِ المغايرةِ لملَّةِ الإسلام ؛ وحينئذٍ يكونُ كافرًا حقيقةً ، فيبقى اللفظُ على ظاهره . وكاذبًا : منصوبٌ على الحال ؛ أي : في حال تعظيمِ تلك المِلَّة التي حلَفَ بها ، فتكونُ هذه الحالُ من الأحوالِ اللازمة ؛ كقوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا ؛ لأنَّ مَنْ عظَّم مِلَّةً غيرَ الإسلام ، كان كاذبًا في تعظيمِهِ دائما في كلِّ حالٍ وكلِّ وقتٍ ، لا ينتقلُ عن ذلك . ولا يصلُحُ أن يقال : إنَّه يعني بكونه كاذبًا في المحلوفِ عليه ؛ لأنَّه يستوي في ذَمِّهِ كونُهُ صادقًا أو كاذبًا إذا حلَفَ بِمِلَّةٍ غيرِ الإسلام ؛ لأنَّه إنَّما ذمَّهُ الشرعُ مِنْ حيثُ إنَّه حَلَفَ بتلك الملَّةِ الباطلة ، معظِّمًا لها على نحو ما تعظَّمُ به ملَّةُ الإسلامِ الحَقِّ ؛ فلا فَرْقَ بين أن يكونَ صادقًا أو كاذبًا في المحلوفِ عليه ، والله تعالى أعلم .

وأمَّا إنْ كان الحالفُ بذلك غيرَ معتقِدٍ لذلك : فهو آثمٌ مرتَكِبٌ كبيرةً ؛ إذْ قد نسبه في قوله لمَنْ يعظِّمُ تلك المِلَّةَ ويعتقدها ، فغُلِّظَ عليه الوعيدُ ؛ بأن صيّرَه كواحدٍ منهم ، مبالغةً في الرَّدْعِ والزَّجْر ؛ كما قال تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ . وهل تجبُ عليه كفَّارةٌ أم لا ؟ اختلَفَ العلماءُ في ذلك : فَرُوِيَ عن ابن المبارك مما ورَدَ مِثْلَ هذا : أنَّ ذلك على طريقةِ التغليظ ، ولا كفَّارةَ على مَنْ حلف بذلك وإنْ كان آثِمًا ؛ وعليه الجمهورُ ، وهو الصحيحُ ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنْ حَلَفَ بِاللاَّتِ ، فَلْيَقُلْ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، ولم يوجبْ عليه أكثَرَ من ذلك ، ولو كانتِ الكفَّارةُ واجبةً ، لبيَّنها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ ؛ لأنَّه لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجة . وقد ذهب بعضُ العراقيِّين إلى وجوبِ الكفَّارة عليه ، وسيأتي ذلك إنْ شاء الله تعالى .

و ( قوله : لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لاَ يَمْلِكُهُ ) هذا صحيحٌ فيما إذا باشَرَ النذرُ مِلْكَ الغير ؛ كما لو قال : للهِ عَلَيَّ عِتْقُ عبدِ فلانٍ ، أو هَدْيُ بَدَنَةِ فُلاَن ، ولم يعلِّق شيئًا مِنْ ذلك على مِلْكِهِ له ، فلا خلافَ بين العلماء أنَّ ذلك لا يلزمُه منه شيءٌ ؛ غير أنَّه حُكِيَ عن ابن أبي ليلى في العتق : أنَّه إذا كان مُوسِرًا عتِقَ عليه ، ثُمَّ رجَعَ عنه . وإنَّما اختلَفُوا فيما إذا علَّقَ العِتْقَ أو الهَدْيَ أو الصدقةَ على المِلْك ؛ مِثْلُ أن يقول : إنْ مَلَكْتُ عَبْدَ فلانٍ ، فهو حُرٌّ ، فلم يُلْزمْهُ الشافعيُّ شيئًا من ذلك عَمَّ أو خصَّ ؛ تمسُّكًا بهذا الحديث . وألزمَهُ أبو حنيفة : كُلَّ شيء مِنْ ذلك عمَّ أو خصَّ ؛ لأنَّه مِنْ بابِ العقودِ المأمورِ بالوفاءِ بها ، وكأنَّه رأى أنَّ ذلك الحديثَ لا يتناوَلُ المعلَّقَ على المِلْك ؛ لأنَّه إنَّما يلزمُهُ عند حصولِ المِلْكِ لا قبله .

ووافَقَ أبا حنيفةَ مالكٌ فيما إذا خَصَّ ؛ تمسُّكًا بمثل ما تمسَّكَ به أبو حنيفة ، وخالَفَهُ إذا عمَّ ؛ رفعًا للحَرَجِ الذي أدخَلَهُ على نفسه ، ولمالكٍ قولٌ آخر مِثْلُ قولِ الشافعيِّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث