[ 199 ] ( 125 ) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ ، وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ ، وَاللَّفْظُ لِأُمَيَّةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ : فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ فَقَالُوا : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ، كُلِّفْنَا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ " سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " ، بَلْ قُولُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، قَالُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِثْرِهَا : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : نَعَمْ ، " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : نَعَمْ ، " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ : نَعَمْ ، " وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قَالَ : نَعَمْ . [ 200 ] ( 126 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ ، قَالَ إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا ، وَقَالَ الْآخَرَانِ : حَدَّثَنَا ، وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، مَوْلَى خَالِدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قَالَ : دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا ، قَالَ : فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، " وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ . ( 57 - 58 - 59 ) بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ، وَالْخَوَاطِرِ بِالْقَلْبِ إِذَا لَمْ تَسْتَقِّرَ وبيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق ، وَبَيَانِ حُكْمِ الْهَمِّ بِالْحَسَنَةِ وَبِالسَّيِّئَةِ أَمَّا أَسَانِيدُ الْبَابِ وَلُغَاتُهُ فَفِيهِ أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ فَبِسْطَامُ بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَيْضًا فَتْحَهَا وَالْعَيْشِيُّ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ ضَبْطَ هَذَا كُلِّهُ مَعَ بَيَانِ الْخِلَافِ فِي صَرْفِ بِسْطَامَ . وَفِيهِ قَوْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " قَالَ : فَاشْتَدَّ ذَلِكَ . إِنَّمَا أَعَادَ لَفْظَةَ " قَالَ " لِطُولِ الْكَلَامِ ، فَإِنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ لَمَّا نَزَلَتِ اشْتَدَّ ، فَلَمَّا طَالَ حَسُنَ إِعَادَةُ لَفْظَةِ " قَالَ " . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَذَكَرْتُ ذَلِكَ مُبَيَّنًا وَأَنَّهُ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى " أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ " ، فَأَعَادَ " أَنَّكُمْ " ، وَقَوْلِهِ " وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ " إِلَى قَوْلِهِ " فَلَمَّا جَاءَهُمْ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى " لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " : لَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْإِيمَانِ فَنُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ بَلْ نُؤْمِنُ بِجَمِيعِهِمْ . وَأَحَدٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ وَلِهَذَا دَخَلَتْ فِيهِ بَيْنَ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ وَفِيهِ قَوْلُهُ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِثْرِهَا . هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالثَّاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَعَ إِسْكَانِ الثَّاءِ لُغَتَانِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق · ص 309 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمومن سورة البقرة · ص 321 126 [ 2855] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قَالَ : دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا ، قَالَ : فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ . و ( قوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا التكليف هو الأمر بما يشق عليه ، وتكلفت الشيء : تجشمته . حكاه الجوهري ، والوسع : الطاقة والجدة . وهذا خبر من الله تعالى أنه لا يأمرنا إلا بما نطيقه ويمكننا إيقاعه عادة ، وهو الذي لم يقع في الشريعة غيره ، ويدلّ على ذلك تصفحها ، وقد حكي الإجماع على ذلك . وإنما الخلاف في جواز التكليف بما لا يمكننا إيقاعه عقلا ، كالجمع بين الضدين ، أو عادة ، كالطيران في الهواء ، والمشي على الماء ، فمن مجوز ، ومن مانع ، وقد بينا ذلك في الأصول ، واستيفاء الكلام عليها في علم الكلام . تنبيه : الله تعالى بلطفه بنا وإنعامه علينا ، وإن كان قد كلفنا بما يشق علينا ، ويثقل ، كثبوت الواحد للعشرة ، وهجرة الإنسان وخروجه عن وطنه ، ومفارقة أهله وولده وعادته ، لكنه لم يكلفنا بالمشقات المثقلة ، ولا بالأمور المؤلمة كما كلف من قبلنا ؛ إذ كلفهم بقتل أنفسهم ، وقرض موضع البول من أبدانهم ، بل سهل ورفق بنا ، ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا ، فله الحمد والمنة ، والفضل والنعمة . و ( قوله : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ دليل على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد : كسبا واكتسابا ، ولذلك لم يطلقوا على ذلك : لا خلق ، ولا خالق ، خلافا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة ، ومن أطلق من أئمتنا على العبد فاعل ، فالمجاز المحض ، كما يعرف في الكلام . و ( قوله : لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا أي : اعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما ، كقوله صلى الله عليه وسلم : رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه أي : إثم ذلك ، وهذا لم يختلف فيه : أن الإثم مرفوع ، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام ؛ هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء ، أو يلزم أحكام ذلك كله ؟ اختلف فيه . والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع ، فقسم : لا يسقط بالخطأ والنسيان باتفاق ، كالغرامات والديات والصلوات ، وقسم يسقط باتفاق ، كالقصاص والنطق بكلمة الكفر ونحو ذلك . وقسم ثالث يختلف فيه ، وصوره لا تنحصر ، ويُعرف تفصيل ذلك في الفروع . والإصر : الثقل والمشقة الفادحة . وقول ابن عباس في هذا الحديث حكاية عن الله تعالى : قد فعلت . وقول أبي هريرة في حديثه الذي تقدم في كتاب الإيمان : قال : نعم دليل على أنهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى ، وقد قررنا في الأصول : أن ذلك جائز من العالم بمواقع الألفاظ ، وأن ذلك لا يجوز لمن بعد الصدر الأول لتغير اللغات ، وتباين الكلمات . والمولى : الولي . والناصر : المعين على العدو . والكافر : الجاحد .