[ 227 ] ( 142 ) - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، قَالَ مَعْقِلٌ : إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ . ( 63 ) بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) . وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ ) . أَمَّا فِقْهُ الْحَدِيثِ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) فِيهِ التَّأْوِيلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي نَظَائِرِهِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ ، وَالثَّانِي حَرَّمَ عَلَيْهِ دُخُولَهَا مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينَ وَمَعْنَى التَّحْرِيمِ هُنَا الْمَنْعُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَعْنَاهُ بَيِّنٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ غِشِّ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ قَلَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِمْ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ وَنَصَبَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ ، فَإِذَا خَانَ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْصَحْ فِيمَا قُلِّدَهُ إِمَّا بِتَضْيِيعِهِ تَعْرِيفَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ دِينِهِمْ ، وَأَخْذَهُمْ بِهِ ، وَإِمَّا بِالْقِيَامِ بِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ شَرَائِعِهِمْ وَالذَّبِّ عَنْهَا لِكُلِّ مُتَصَدٍّ لِإِدْخَالِ دَاخِلَةٍ فِيهَا أَوْ تَحْرِيفٍ لِمَعَانِيهَا أَوْ إِهْمَالِ حُدُودِهِمْ ، أَوْ تَضْيِيعِ حُقُوقِهِمْ ، أَوْ تَرْكِ حِمَايَةِ حَوْزَتِهِمْ ، وَمُجَاهَدَةِ عَدُوِّهِمْ ، أَوْ تَرْكِ سِيرَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ ، فَقَدْ غَشَّهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ نَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَةِ الْمُبْعِدَةِ عَنِ الْجَنَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُ مَعْقِلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ : ( لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ ) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ عَلِمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَنْفَعْهُ الْوَعْظُ كَمَا ظَهَرَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهِ ثُمَّ خَافَ مَعْقِلٌ مِنْ كِتْمَانِ الْحَدِيثِ وَرَأَى تَبْلِيغَهُ أَوْ فِعْلَهُ لِأَنَّهُ خَافَهُ لَوْ ذَكَرَهُ فِي حَيَاتِهِ لِمَا يُهَيِّجُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثَ وَيُثْبِتُهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْ سُوءِ حَالِهِ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ ، وَالْأَوَّلُ ضَعِيفٌ ; فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَسْقُطُ بِاحْتِمَالِ عَدَمِ قَبُولِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْبَابِ فَفِيهِ شَيْبَانُ عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَ ( فَرُّوخُ ) غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا تَقَدَّمَ مَرَّاتٍ . وَ ( أَبُو الْأَشْهَبِ ) اسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ بِالْمُثَنَّاةِ الْعُطَارِدِيُّ السَّعْدِيُّ الْبَصْرِيُّ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ · ص 324 المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب فَضِيلَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَالنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ · ص 529 [ 21 ] 142 - وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَقَالَ مَعْقِلٌ : إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً ، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ . وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : دَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، وَهُوَ وَجِعٌ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الْأَشْهَبِ ، وَزَادَ قَالَ : أَلَا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ ؟ قَالَ : مَا حَدَّثْتُكَ . أَوْ : لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي بَعْدَهُ سَبَقَ شَرْحُهُمَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَحَاصِلُهُ : أَنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِلًّا لِغِشِّهِمْ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ ، وَيَخْلُدُ فِي النَّارِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلُّهُ فَيَمْتَنِعُ مِنْ دُخُولِهَا أَوَّلَ وَهْلَةٍ مَعَ الْفَائِزِينَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ ) أَيْ : وَقْتَ دُخُولِهِمْ ، بَلْ يُؤَخَّرُ عَنْهُمْ عُقُوبَةً لَهُ ؛ إِمَّا فِي النَّارِ وَإِمَّا فِي الْحِسَابِ ، وَإِمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ : وُجُوبُ النَّصِيحَةِ عَلَى الْوَالِي لِرَعِيَّتِهِ ، وَالِاجْتِهَادِ فِي مَصَالِحِهِمْ ، وَالنَّصِيحَةِ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ قَبْلَ حَالَةِ الْمَوْتِ نَافِعَةٌ . قَوْلُهُ : ( لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ بِيَ حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ هَذَا الْحَالِ ، وَرَأَى وُجُوبَ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مُضَيِّعًا لَهُ ، وَقَدْ أُمِرْنَا كُلُّنَا بِالتَّبْلِيغِ .
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب مَنِ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَلَمْ يَجْتَهِدْ وَلَمْ يَنْصَحْ لَهُمْ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ وَمَنْ نَمَّ الحَدِيثَ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ · ص 353 ( 46 ) بَابُ مَنِ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً ، فَلَمْ يَجْتَهِدْ ، وَلَمْ يَنْصَحْ لَهُمْ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ ، وَمَنْ نَمَّ الحَدِيثَ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ 142 - [ 110 ] عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ ، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ . وَفِي رِوَايَةٍ : مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَلا يَنْصَحُ ، إِلاَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ . ( 46 ) وَمِنْ بَابِ مَنِ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً ، فَلَمْ يَنْصَحْ لَهُمْ ( قوله : مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً ) الحديثَ ، هو لفظٌ عامٌّ في كلِّ مَنْ كُلِّفَ حِفْظَ غيرِهِ ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ؛ فالإمامُ الذي على الناس راعٍ ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ ، وهكذا الرجلُ في أهل بيتِهِ ، والوَلَدُ ، والعبدُ . والرعايةُ : الحِفْظُ والصيانة ، والغِشُّ : ضِدُّ النصيحة . وحاصلُهُ : راجعٌ إلى الزجر عن أن يضيِّع ما أُمِرَ بحفظه ، وأن يقصِّر في ذلك مع التمكُّنِ من فِعْلِ ما يتعيَّنُ عليه . وقد تقدَّم القولُ على قوله : حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ، وأنَّ ذلك محمولٌ على ظاهره إنْ كان مستحلاًّ ، وإن لم يكنْ مُسْتَحِلاًّ ، فأحدُ تأويلاتِهِ : أنه إنْ أنفَذَ اللهُ عليه الوعيدَ ، أدخلَهُ النارَ آمادًا ، ومنعَهُ الجنةَ وحَرَّمَهَا عليه في تلك الآمادِ ، ثم تكونُ حالُهُ حالَ أهلِ الكبائر مِنْ أهل التوحيد ؛ على ما تقدَّم . و ( قوله : لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ ) يُشِيرُ إلى صِحَّةِ ما ذكرناه مِنْ أنَّه لا يدخُلُ الجنةَ في وقتٍ دون وقت ، وهو تقييدٌ للرِّوَايةِ الأخرى المُطْلَقَةِ التي لم يَذْكُرْ فيها منعَهُمْ .