( 73 ) بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ الْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ فَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَرْتِيبِ أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا . [ 252 ] ( 160 ) - حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ أُوْلَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ : زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ : أَيْ خَدِيجَةُ ، مَا لِي ، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ، قَالَ : لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : كَلَّا ، أَبْشِرْ ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ ، وَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : أَيْ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ ، قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ : يَا ابْنَ أَخِي ، مَاذَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَآهُ ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ قَالَ وَرَقَةُ : نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا . [ 253 ] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ .. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَوَاللَّهِ لَا يُحْزِنُكَ اللَّهُ أَبَدًا . وَقَالَ : قَالَتْ خَدِيجَةُ : أَيْ ابْنَ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ . [ 254 ] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : قَالَتْ عَائِشَةُ : زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ . وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ : فَوَاللَّهِ لَا يَخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا . وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ : أَيْ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ . فَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ " أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ السَّرْحِ " هُوَ بِالسِّينِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالسِّينُ مَفْتُوحَةٌ . وَقَوْلُهُ ( أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تُدْرِكْ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ فَتَكُونُ قَدْ سَمِعَتْهَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنَ الصَّحَابِيِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِنِيُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ " وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَفِي مِنْ هُنَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالثَّانِي لِلتَّبْعِيضِ وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي . وَقَوْلُهَا ( فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : فَلَقُ الصُّبْحِ وَفَرَقُ الصُّبْحِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ وَالرَّاءِ هُوَ ضِيَاؤُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِي الشَّيْءِ الْوَاضِحِ الْبَيِّنِ . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنَّمَا ابْتُدِئَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرُّؤْيَا لِئَلَّا يَفْجَأَهُ الْمَلَكُ وَيَأْتِيهِ صَرِيحُ النُّبُوَّةِ بَغْتَةً فَلَا يحْتَمِلُهَا قُوَى الْبَشَرِيَّةِ فَبُدِئَ بِأَوَّلِ خِصَالِ النُّبُوَّةِ وَتَبَاشِيرِ الْكَرَامَةِ مِنْ صِدْقِ الرُّؤْيَا ، وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ رُؤْيَةِ الضَّوْءِ وَسَمَاعِ الصَّوْتِ وَسَلَامِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ . قَوْلُهَا ( ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ أُولَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجَئهُ الْحَقُّ ) أَمَّا الْخَلَاءُ فَمَمْدُودٌ وَهُوَ الْخَلْوَةُ وَهِيَ شَأْنُ الصَّالِحِينَ وَعِبَادِ اللَّهِ الْعَارِفِينَ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حُبِّبَتِ الْعُزْلَةُ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ مَعَهَا فَرَاغَ الْقَلْبِ وَهِيَ مُعِينةٌ عَلَى التَّفَكُّرِ وَبِهَا يَنْقَطِعُ عَنْ مَأْلُوفَاتِ الْبَشَرِ وَيَتَخَشَّعُ قَلْبُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْغَارُ فَهُوَ الْكَهْفُ وَالنَّقْبُ فِي الْجَبَلِ وَجَمْعُهُ غِيرَانٌ وَالْمَغَارُ وَالْمَغَارَةُ بِمَعْنَى الْغَارِ وَتَصْغِيرُ الْغَارِ غُوَيْرٌ . وَأَمَّا حِرَاءٌ فَبِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ مَصْرُوفٌ وَمُذَكَّرٌ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ أَكْثَرُ فَمَنْ ذَكَّرَهُ صَرَفَهُ وَمَنْ أَنَّثَهُ لَمْ يَصْرِفْهُ أَرَادَ الْبُقْعَةَ أَوِ الْجِهَةَ الَّتِي فِيهَا الْجَبَلُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهِ حَرَى بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْقَصْرِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ صَاحِبُ ثَعْلَبٍ وَأَبُو سُلَيْمَانُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا : أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْعَوَامُّ يُخْطِئُونَ فِي حِرَاءٍ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ يَفْتَحُونَ الْحَاءَ وَهِيَ مَكْسُورَةٌ وَيَكْسِرُونَ الرَّاءَ وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ وَيَقْصُرُونَ الْأَلِفَ وَهِيَ مَمْدُودَةٌ وَحِرَاءٌ جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ عَنْ يَسَارِ الذَّاهِبِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا التَّحَنُّثُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَقَدْ فَسَّرَهُ بِالتَّعَبُّدِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ وَأَصْلُ الْحِنْثِ الْإِثْمُ فَمَعْنَى يَتَحَنَّثُ الْحَرَجَ وَالْإِثْمَ . وَأَمَّا قَوْلُهَا ( اللَّيَالِيَ أُولَاتِ الْعَدَدِ ) فَمُتَعَلِّقٌ بِالتَّحَنُّثِ لَا بِالتَّعَبُّدِ وَمَعْنَاهُ يَتَحَنَّثُ اللَّيَالِيَ وَلَوْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِالتَّعَبُّدِ فَسَدَ الْمَعْنَى فَإِنَّ التَّحَنُّثَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّيَالِي بَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهَذَا التَّفْسِيرُ اعْتَرَضَ بَيْنَ كَلَامِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . وَأَمَّا كَلَامُهَا فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيَالِيَ أُولَاتِ الْعَدَدِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهَا ( فَجِئهُ الْحَقُّ ) أَيْ جَاءَهُ الْوَحْيُ بَغْتَةً فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ مُتَوَقِّعًا لِلْوَحْيِ وَيُقَالُ فَجِئَهُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَيُقَالُ فَجَأَهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَمْزَةِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( مَا أَنَا بِقَارِئٍ ) مَعْنَاهُ لَا أُحْسِنَ الْقِرَاءَةَ ، فَمَا نَافِيَةٌ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهَا خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا نَافِيَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا اسْتِفْهَامِيَّةً ، وَضَعَّفُوهُ بِإِدْخَالِ الْبَاءِ فِي الْخَبَرِ . قَالَ الْقَاضِي : وَيُصَحِّحُ قَوْلَ مَنْ قَالَ اسْتِفْهَامِيَّةً رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مَا أَقْرَأُ ؟ وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا نَافِيَةً . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ) أَمَّا غَطَّنِي فَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ عَصَرَنِي وَضَمَّنِي يُقَالُ غَطَّهُ وَغَتَّهُ وَضَغَطَهُ وَعَصَرَهُ وَخَنَقَهُ وَغَمَزَهُ كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَأَمَّا الْجَهْدُ فَيَجُوزُ فَتْحُ الْجِيمِ وَضَمُّهَا لُغَتَانِ وَهُوَ الْغَايَةُ وَالْمَشَقَّةُ وَيَجُوزُ نَصْبُ الدَّالِ وَرَفْعُهَا فَعَلَى النَّصْبِ بَلَغَ جِبْرِيلُ مِنِّي الْجَهْدَ وَعَلَى الرَّفْعِ بَلَغَ الْجَهْدُ مِنِّي مَبْلَغَهُ وَغَايَتَهُ وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِي نَصْبِ الدَّالِ وَرَفْعِهَا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ وَغَيْرُهُ . وَأَمَّا أَرْسَلَنِي فَمَعْنَاهُ أَطْلَقَنِي . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي الْغَطِّ شَغْلُهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي أَمْرِهِ بِإِحْضَارِ قَلْبِهِ لِمَا يَقُولُهُ لَهُ وَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا مُبَالَغَةً فِي التَّنَبُّهِ فَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَحْتَاطَ فِي تَنْبِيهِ الْمُتَعَلِّمِ وَأَمْرِهِ بِإِحْضَارِ قَلْبِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَقِيلَ : أَوَّلُهُ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ لِكَوْنِهَا لَمْ تُذْكَرْ هُنَا وَجَوَابُ الْمُثْبِتِينَ لَهَا أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ أَوَّلًا بَلْ نَزَلَتِ الْبَسْمَلَةُ فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا نَزَلَ بَاقِي السُّورَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ . قَوْلُهَا ( تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَمَعْنَى تَرْجُفُ تَرْعَدُ وَتَضْطَرِبُ وَأَصْلُهُ شِدَّةُ الْحَرَكَةِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَائِرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ : وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ تَضْطَرِبُ عِنْدَ فَزَعِ الْإِنْسَانِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ مُكَرَّرٌ مَرَّتَيْنِ وَمَعْنَى زَمِّلُونِي غَطُّونِي بِالثِّيَابِ وَلُفُّونِي بِهَا وَقَوْلُهُ فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ الْفَزَعُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى الشَّكِّ فِيمَا أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ رُبَّمَا خَشِيَ أَنْ لَا يَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَةِ هَذَا الْأَمْرِ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى حَمْلِ أَعْبَاءِ الْوَحْيِ فَتَزْهَقَ نَفْسُهُ أَوْ يَكُونَ هَذَا لِأَوَّلِ مَا رَأَى التَّبَاشِيرَ فِي النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ وَسَمِعَ الصَّوْتَ قَبْلَ لِقَاءِ الْمَلَكِ وَتَحَقُّقِهِ رِسَالَةَ رَبِّهِ فَيَكُونُ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَأَمَّا مُنْذُ جَاءَهُ الْمَلَكُ بِرِسَالَةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِيهِ وَلَا يَخْشَى مِنْ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يُحْمَلُ جَمِيعُ مَا وَرَدَ مِنْ مِثْلِ هَذَا فِي حَدِيثِ الْبَعْثِ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَذَكَرَ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ الشِّفَاءُ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي كَلَامٍ مَبْسُوطٍ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ تَصْرِيحِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ غَطِّ الْمَلَكِ وَإِتْيَانِهِ بِاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا ( قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتُقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ) أَمَّا قَوْلُهَا كَلَّا فَهِيَ هُنَا كَلِمَةُ نَفْيٍ وَإِبْعَادٍ وَهَذَا أَحَدُ مَعَانِيهَا قَدْ تَأْتِي كَلَّا بِمَعْنَى حَقًّا وَبِمَعْنَى أَلَا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ يُسْتَفْتَحُ بِهَا الْكَلَامُ وَقَدْ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ عَلَى أَقْسَامٍ وَقَدْ جَمَعَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَقْسَامَهَا وَمَوَاضِعَهَا فِي بَابٍ مِنْ كِتَابِهِ الْوَقْفُ وَالِابْتِدَاءُ . وَأَمَّا قَوْلُهَا ( لَا يُخْزِيكَ ) فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ وَعُقَيْلٍ . وَقَالَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ : يُحْزِيكَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ فِي أَوَّلِهِ وَضَمُّهَا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْخِزْيُ الْفَضِيحَةُ وَالْهَوَانُ . وَأَمَّا صِلَةُ الرَّحِمِ فَهِيَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْأَقَارِبِ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْوَاصِلِ وَالْمَوْصُولِ فَتَارَةً تَكُونُ بِالْمَالِ وَتَارَةً بِالْخِدْمَةِ وَتَارَةً بِالزِّيَارَةِ وَالسَّلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا ( الْكَلُّ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَأَصْلُهُ الثِّقْلُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ وَيَدْخُلُ فِي حَمْلِ الْكَلِّ الْإِنْفَاقُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْيَتِيمِ وَالْعِيَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ مِنَ الْكَلَالِ وَهُوَ الْإِعْيَاءُ . وَأَمَّا قَوْلُهَا ( وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ) فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ . قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّهَا . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : يُقَالُ كَسَبْتُ الرَّجُلَ مَالًا وَأَكْسَبْتُهُ مَالًا لُغَتَانِ أَفْصَحُهُمَا بِاتِّفَاقِهِمْ كَسَبْتُهُ بِحَذْفِ الْأَلْفِ . وَأَمَّا مَعْنَى ( تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ) فَمَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاهُ تُكْسِبُ غَيْرَكَ الْمَالَ الْمَعْدُومَ أَيْ تُعْطِيهِ إِيَّاهُ تَبَرُّعًا فَحَذَفَ أَحَدَ الْمَفْعُولَيْنِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تُعْطِي النَّاسَ مَا لَا يَجِدُونَهُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ نَفَائِسِ الْفَوَائِدِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ الْفَتْحِ فَقِيلَ مَعْنَاهَا كَمَعْنَى الضَّمِّ ، وَقِيلَ مَعْنَاهَا تَكْسِبُ الْمَالَ الْمَعْدُومَ وَتُصِيبُ مِنْهُ مَا يَعْجِزُ غَيْرُكَ عَنْ تَحْصِيلِهِ ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَتَمَادَحُ بِكَسْبِ الْمَالِ الْمَعْدُومِ لَا سِيَّمَا قُرَيْشٌ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْظُوظًا فِي تِجَارَتِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ ثَابِتٍ صَاحِبِ الدَّلَائِلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ وَأَيُّ مَعْنًى لِهَذَا الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ زِيَادَةٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ تَكْسِبُ الْمَالَ الْعَظِيمَ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُكَ ثُمَّ تَجُودُ بِهِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَأَبْوَابِ الْمَكَارِمِ كَمَا ذَكَرَتْ مِنْ حَمْلِ الْكَلِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَقِرَى الضَّيْفِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي هَذَا الْحَرْفِ . وَأَمَّا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ فَجَعَلَ الْمَعْدُومَ عِبَارَةً عَنِ الرَّجُلِ الْمُحْتَاجِ الْمُعْدِمِ الْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبِ وَسَمَّاهُ مَعْدُومًا لِكَوْنِهِ كَالْمَعْدُومِ الْمَيِّتِ حَيْثُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْمَعِيشَةِ كَتَصَرُّفِ غَيْرِهِ . قَالَ : وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ صَوَابَهُ الْمُعْدِمَ بِحَذْفِ الْوَاوِ قَالَ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ بَلْ مَا رَوَاهُ الرُّوَاةُ صَوَابٌ قَالَ وَقِيلَ مَعْنَى تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ أَيْ تَسْعَى فِي طَلَبِ عَاجِزٍ تُنْعِشُهُ وَالْكَسْبُ هُوَ الِاسْتِفَادَةُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ وَإِنْ كَانَ لَهُ بَعْضُ الِاتِّجَاهِ كَمَا حَرَّرْتُ لَفْظَهُ فَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهَا ( وَتَقْرِي الضَّيْفَ ) فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ قَرَيْتُ الضَّيْفَ أُقْرِيهِ قِرًى بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ وَقَرَاءً بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمَدِّ وَيُقَالُ لِلطَّعَامِ الَّذِي يُضَيِّفُهُ بِهِ قِرًى بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ وَيُقَالُ لِفَاعِلِهِ قَارٍ مِثْلُ قَضَى فَهُوَ قَاضٍ . وَأَمَّا قَوْلُهَا ( وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ) فَالنَّوَائِبُ جَمْعُ نَائِبَةٍ وَهِيَ الْحَادِثَةُ إِنَّمَا قَالَتْ نَوَائِبَ الْحَقِّ لِأَنَّ النَّائِبَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَقَدْ تَكُونُ فِي الشَّرِّ . قَالَ لَبِيدٌ : نَوَائِبُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ كِلَاهُمَا فَلَا الْخَيْرُ مَمْدُودٌ وَلَا الشَّرُّ لَازِبُ قَالَ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - : مَعْنَى كَلَامِ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنَّكَ لَا يُصِيبُكَ مَكْرُوهٌ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَرَمِ الشَّمَائِلِ وَذَكَرَتْ ضُرُوبًا مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَخِصَالَ الْخَيْرِ سَبَبُ السَّلَامَةِ مِنْ مَصَارِعِ السُّوءِ . وَفِيهِ مَدْحُ الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِمَصْلَحَةٍ نَظَرًا . وَفِيهِ تَأْنِيسُ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ مَخَافَةً مِنْ أَمْرٍ وَتَبْشِيرُهُ وَذِكْرُ أَسْبَابِ السَّلَامَةِ لَهُ . وَفِيهِ أَعْظَمُ دَلِيلٍ وَأَبْلَغُ حُجَّةٍ عَلَى كَمَالِ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَجَزَالَةِ رَأْيِهَا وَقُوَّةِ نَفْسِهَا وَثَبَاتِ قَلْبِهَا وَعِظَمِ فِقْهِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا ( وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) مَعْنَاهُ صَارَ نَصْرَانِيًّا وَالْجَاهِلِيَّةُ مَا قَبْلَ رِسَالَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُمُّوا بِذَلِكَ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ فَاحِشِ الْجَهَالَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا ( وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكْتُبَ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَحَاصِلُهُمَا أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَةِ دِينِ النَّصَارَى بِحَيْثُ إِنَّهُ صَارَ يَتَصَرَّفُ فِي الْإِنْجِيلِ فَيَكْتُبُ أَيَّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إِنْ شَاءَ وَبِالْعَرَبِيَّةِ إِنْ شَاءَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا ( فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْ عَمُّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( قَالَتْ خَدِيجَةُ أَيِ ابْنَ عَمِّ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ فِي الْأَوَّلِ عَمِّ وَفِي الثَّانِي ابْنَ عَمِّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ أَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّهَا حَقِيقَةً كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ وَهِيَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَسَمَّتْهُ عَمًّا مَجَازًا لِلِاحْتِرَامِ هَذِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي آدَابِ خِطَابِهِمْ يُخَاطِبُ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ بِيَا عَمِّ احْتِرَامًا لَهُ وَرَفْعًا لِمَرْتَبَتِهِ وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْغَرَضُ بِقَوْلِهَا يَا ابْنَ عَمِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) النَّامُوسُ بِالنُّونِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ : النَّامُوسُ فِي اللُّغَةِ صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ وَالْجَاسُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ ، وَيُقَالُ : نَمَسْتُ السِّرَّ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ أَنْمِسُهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ نَمْسًا أَيْ كَتَمْتُهُ وَنَمَسْتُ الرَّجُلَ وَنَامَسْتُهُ سَارَرْتُهُ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُسَمَّى النَّامُوسَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا . قَالَ الْهَرَوِيُّ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُ بِالْغَيْبِ وَالْوَحْيِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِّينَاهُ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ نَزَلَ عَلَى عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . قَوْلُهُ ( يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ) الضَّمِيرُ فِيهَا يَعُودُ إِلَى أَيَّامِ النُّبُوَّةِ وَمُدَّتِهَا وَقَوْلُهُ جَذَعًا يَعْنِي شَابًّا قَوِيًّا حَتَّى أُبَالِغَ فِي نُصْرَتِكَ وَالْأَصْلُ فِي الْجَذَعِ لِلدَّوَابِّ وَهُوَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ جَذَعًا فَهَكَذَا هُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِالنَّصْبِ . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ جَذَعٌ بِالرَّفْعِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةٌ ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجْهِهِ ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا : نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ تَقْدِيرُهُ لَيْتَنِي أَكُونُ فِيهَا جَذَعًا وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ الْكُوفِيِّينَ ، وَقَالَ الْقَاضِي : الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَخَبَرُ لَيْتَ قَوْلُهُ فِيهَا ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ التَّحْقِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنْ شُيُوخِنَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ ) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ هَكَذَا الرِّوَايَةُ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ تَشْدِيدُهَا وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : " بِمُصْرِخِيَّ " وَهُوَ جَمْعُ مُخْرِجٍ فَالْيَاءُ الْأُولَى يَاءُ الْجَمْعِ وَالثَّانِيَةُ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ وَفُتِحَتْ لِلتَّخْفِيفِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْكَسْرَةُ وَالْيَاءَانِ بَعْدَ كَسْرَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ ) أَيْ وَقْتَ خُرُوجِكَ . قَوْلُهُ : ( أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ) هُوَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَبِهَمْزَةٍ قَبْلَهَا أَيْ قَوِيًّا بَالِغًا . قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ) بِالْوَاوِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْقَائِلُ وَأَخْبَرَنِي هُوَ الزُّهْرِيُّ وَفِي هَذِهِ الْوَاوِ فَائِدَةٌ لَطِيفَةٌ قَدَّمْنَاهَا فِي مَوَاضِعَ وَهِيَ أَنَّ مَعْمَرًا سَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ أَحَادِيثَ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيهَا أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بِكَذَا وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بِكَذَا إِلَى آخِرِهَا فَإِذَا أَرَادَ مَعْمَرٌ رِوَايَةَ غَيْرِ الْأَوَّلِ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَأَتَى بِالْوَاوِ لِيَكُونَ رَاوِيًا كَمَا سَمِعَ وَهَذَا مِنَ الِاحْتِيَاطِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَالتَّحَرِّي فِيهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَعْنِي رِوَايَةَ مَعْمَرٍ : ( فَوَاللَّهِ لَا يُحْزِنْكَ اللَّهُ ) هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ( عُقَيْلٍ ) وَهُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ : ( يَرْجُفُ فُؤَادَهُ ) قَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقُّ قُلُوبًا بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَلْبِ وَالْفُؤَادِ . وَأَمَّا عِلْمُ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِرَجَفَانِ فُؤَادِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا رَأَتْهُ حَقِيقَةً ، وَيَجُوزُ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ وَعَلِمَتْهُ بِقَرَائِنَ وَصُورَةِ الْحَالِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 348 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله وانتهاؤه · ص 373 ( 53 ) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهاؤه 160 - [ 126 ] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أَنَّهَا قَالَتْ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْيِ : الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلاّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ . ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ ، فَكَانَ يَخْلو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وهو التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أولاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا ، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وهو فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ . فقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ . فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ ، فَقَالَ : زَمِّلُونِي ، زَمِّلُونِي . فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ : أَيْ خَدِيجَةُ ! مَا لِي ؟ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ، فقَالَ : لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ، فقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : كَلاَّ ! أَبْشِرْ ، فَوَاللهِ ! لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا . وَاللهِ ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ . فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى - وهو ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ - ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : أَيْ عَمِّ ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ . قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ : يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَآه ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حين يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أومُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ قَالَ وَرَقَةُ : نَعَمْ ! لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا . وَفِي رِوَايَةٍ : فَوَاللهِ ! لا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا. ( 53 ) ومن باب كيف كان ابتداء الوحي وانتهاؤه الوحي : إلقاء الشيء في سرعة ، ومنه : الوحا الوحا . ويقال على الإلهام ، ومنه قوله تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ؛ أي : ألهمناها ، وعلى التسخير ، ومنه قوله تعالى : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ؛ أي : سخّرها . وهو في عرف الشريعة : إعلام الله تعالى لأنبيائه بما شاء من أحكامه أو أخباره . و فلق الصبح وفرقه : ضياؤه ؛ ومعناه : أنّها جاءت واضحة بيّنة ، وهذا له - صلى الله عليه وسلم - مبدأ من مبادئ الوحي ومقدّمة من مقدّماته . وقد أوحى الله تعالى إلى إبراهيم في النوم حيث قال : يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ والأنبياء كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم . وقد كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - في أوّل أمره يرى ضوءًا ويسمع صوتًا ، ويسلِّم عليه الحجر والشجر وتناديه بالنبوّة ، وهذه أمور ابتُدِئ بها تدريجيا لَمّا أراد الله به من الكرامة والنبوة ، واستلطافًا له ؛ لئلا يفجأه صريح الوحي ، ويبغته الملك ، فلا تحتمل ذلك قوّته البشريّة . و حِرَاء بالمدّ : جبل بينه وبين مكّة قدر ثلاثة أميال عن يسارك إذا ذهبت إلى منى . ويجوز فيه التذكير فيُصرف على إرادة الموضع ، والتأنيث على إرادة البقعة . وضبطه الأَصيليّ : حَرَا بفتح الحاء والقصر . وقال الخطّابيّ : أصحاب الحديث يخطئون فيه في ثلاثة مواضع ، يفتحون الحاء وهي مكسورة ، ويكسرون الراء وهي مفتوحة ، ويقصرون الألف وهي ممدودة . واختُلِف في عبادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه ، هل كانت لأنّه كان متعبِّدًا بشريعة مَن قبله ؟ أم كانت لِمّا جعل الله في نفسه وشرح به صدره من نور المعرفة ؟ ومن بغضه لِما كان عليه قومه من عبادة الأوثان وسوء السيرة وقبح الأفعال ، فكان يفرّ منهم بُغْضًا ويخلو بمعروفه أُنسًا ؟ ثمّ الذين قالوا : إنّه كان متعبِّدًا بشريعة ، فمنهم من نسبه إلى إبراهيم ، ومنهم من نسبه إلى موسى ، ومنهم من نسبه إلى عيسى . وكلّ هذه أقوال متعارضة لا دليلَ قاطع على صحّة شيء منها . والأصحّ القول الأول ؛ لأنّه لو كان متعبِّدًا بشيء من تلك الشرائع ؛ لعُلم انتماؤه لتلك الشريعة ، ومحافظته على أحكامها وأصولها وفروعها ، ولو عُلم شيءٌ من ذلك ، لنُقِل ؛ إذ العادة تقتضي ذلك ؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - ممّن تتوفّر الدواعي على نقل أحواله وتتبُّعِ أموره ، ولمّا لم يكن شيء من ذلك ، علم صحّة القول الأول . و ( قوله : حتّى فجئه الحقّ ) أي : أتاه الوحْي بغتةً ، يقال : فجِئ بكسر الجيم يفجَأ ، وفجَأ يفجَأ بفتحها أيضًا . و ( قوله : ما أنا بقارئ ) ما نافية ، واسمها أنا ، وخبرها بقارئٍ ، والباء زائدة لمجرَّد النفي والتأكيد . وقال بعضهم : إنّها هنا للاستفهام ، وهو خطأ ؛ لأنّ هذه الباء لا تزاد على الاستفهام ، وإنّما تصلح للاستفهام رواية من رواها : ما أقرأ ، وتصلح أيضًا للنفي . و ( قوله : فغطّني ) أي : غمّني وعصَرني ، ورواه بعضهم : فغتني ، وهما بمعنى واحد . وفي العين : غَطَّه في الماء غَرَّقَه وغمسه ، ويقال : غَتَّه وغطه وخنقه بمعنى واحد . و ( قوله : حتّى بلغ منّي الجَهد ) أي : غاية المشقَّة ، بفتح الجيم . و الجُهد - بالضمّ - : الطاقة ، قاله القُتبيّ . وقال الشعبيّ : الجُهد في القوت والْجَهد في العمل . وقيل هما بمعنى واحد ، قاله البصريّون . وهذا الغط من جبريل للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - تفزيع له وإيقاظٌ ، حتّى يقبل بكليته ما يُلقى إليه ، وتكراره ثلاثًا مبالغة في هذا المعنى . وقال الخطّابيّ : كان ذلك ليبلو صبره ويحسن أدبه فيرتاض لتحمُّل ما كلّفه من أعباء الرسالة . وهذا الحديث نصّ في أوّل ما نزل من القرآن ، وهو أولى من حديث جابر إذ قال : إن أوّل ما أُنزِل من القرآن : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وسياق حديث جابر لا ينصّ على ذلك ، بل سكت عمّا ذكرتْه عائشة من نزول : اقْرَأْ في حراء ، وذكر أنّه رجع إلى خديجة فدثّروه ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وعائشة أخبرت بأوّل ما نزل عليه في حراء ، فكان قول عائشة أولى ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : ترجف بوادره ) ترعد وتضطرب . والبوادر من الإنسان : اللحمة التي بين المنكب والعنق ، قاله أبو عبيد في الغريب . وقد رُوي في الأمّ : يرجف فؤاده ، أي : قلبه ، وهذا هو سبب طلبه أن يُدَّثّر ويُزّمَّل ؛ أي : يغطَّى ويُلفّ ؛ لشدّة ما لحقه من هول الأمر وشدّة الضغط . والتزمُّل والتدثُّر واحد ، ويقال لكلّ ما يلقى على الثوب الذي يلي الجسد دثار . وأصل المزَّمِّل والمدَّثِّر : المتزمِّل والمتدثِّر ، أدغمت التاء فيما بعدها ، وقد جاء في أثر أنّهما من أسمائه - عليه الصلاة والسلام - . و ( قوله : لقد خشيتُ على نفسي ) اُختُلِف في سبب هذه الخشية ، وفي زمانها ، فقيل : كانت عند رؤية التباشير وسمع الصوت قبل لقاء الملك ، وعند هذا يجوز أن يكون شكّ في حاله ولم يتحقَّق مآله ، وأمّا بعد مشافهة الملك وسماعه منه ما أخبره به وما قرأ عليه ، فلا يُتصوّر في حقِّه شكٌّ في رسالته بوجه من الوجوه . وإن كانت الخشية حصلت منه في هذا الحال ، فيحتمل أن كانت من ضعفه عن القيام بأعباء النبوّة والرسالة ، وأنّه لا يقدر عليها . ويحتمل أن يكون خوفه من مباعدة قومه له ونفارهم عنه ، فيُكذِّبونه ويؤذونه ويقتلونه ، وهذا في أوّل أمره قبل أن يعلم بمآل حاله ، وأنّ الله يعصمه من الناس ، وقول خديجة يُشعِر بهذا ، والله تعالى أعلم . و ( قولها : لا يخزيك الله أبدًا ) قاله معمر بالحاء المهملة والنون ، وقال يونس وعقيل بالخاء المعجمة وبالياء المنقوطة باثنتين من أسفل ، ومعناه : لا يفضحك ولا يهينك . و ( قولها : وتحمل الكَلَّ ) قال ابن النحّاس : الكَلُّ الثِقَل ، من كلَّ شيء في المؤنة والجسم . والكَلّ أيضًا اليتيم والمسافر ، وهو الذي أصابه الكلال وهو الإعياء . و ( قولها : وتكسب المعدوم ) رُوِيتُه بفتح التاء وضمّها ، قال ابن النحاس : يقال : كسبتُ الرجلَ مالاً ، وأكسبْتُه مالاً ، وأنشد : فأكسبَنِي مالاً وأكسبْتُه حمدًا وحكى أبو عبد الله بن القزّاز أنّ كسب حرف نادر ، يقال : كسبْتُ المال وكسبْتُه غيري ، ولا يقال : أكسبْتُ . وحكى الهرويّ : كسبْتُ مالاً وكسبْتُه زيدًا . وحُكي عن ثعلب وابن الأعرابيّ : أكسبْتُ زيدًا مالاً . ومعناه أنّه - عليه الصلاة والسلام - كان يَكسب الناس ما لا يجدونه من معدومات الفوائد والفضائل ، وهذا أولى في وصفه من قول من قال : إنّ خديجة مدحتْه باكتساب المال الكثير الذي لا يجده غيره ولا يقدر عليه . و ( قول ورقة : هذا الناموس ) قال أبو عبيد في مصنَّفه : هو جبريل - عليه السلام - . قال الهرويّ : وسُمِّي جبريل ناموسًا ؛ لأنّ الله خصّه بالوحي وعلم الغيب . وقال المطّرز : قال ابن الأعرابيّ : لم يأت في الكلام فاعول ، لام الفعل سين إلاّ الناموس ، وهو صاحب سرّ الخير ، والجاسوس وهو صاحب سرّ الشرّ ، والجاروس الكثير الأكل ، والفاعوس الحيّة ، والبابوس الصبيّ الرضيع ، والراموس القبر ، والقاموس وسط البحر ، والقابوس الجميل الوجه ، والفاطوس دابّة يُتشاءم بها ، والفانوس النمّام ، والجاموس ضرب من البقر . قال ابن دريد في الجمهرة : جاموس أعجميّ وقد تكلّمت به العرب ، وقال غيره : الحاسوس بالحاء غيرَ معجمة من تحسّسه بمعنى الجاسوس . وقال ابن دريد : الكابوس هو الذي يقع على الإنسان في نومه ، والناموس موضع الصائد ، وناموس الرجل صاحب سرّه ، وفي الحديث : ناعوس البحر ، وسيأتي إن شاء الله تعالى . و ( قوله : يا ليتني فيها جذعًا ) فـ : فيها عائد على النبوّة ، يريد مدّتها ، تمنّى نصرته في مدّة نبوّته . و جذعًا كذا صحّت الرواية فيه ، وعند ابن ماهان جذع مرفوعًا على خبر ليت ، وكذا هو في البخاريّ . ونصبه من أحد ثلاثة أوجه : أوّلها : أنّه خبر كان مقدَّرة ؛ أي : يا ليتني أكون فيها جذعًا ، وهذا على رأي الكوفيّين كما قالوا في قوله تعالى : انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ؛ أي يكن خيرًا لكم ، ومذهب البصريّين أنّ خيرًا إنّما انتصب بإضمار فعل دلّ عليه انتهوا ، والتقدير : انتهوا وافعلوا خيرًا . وقال الفرّاء : هو نعت لمصدر محذوف ، تقديره : انتهُوا انتهاءً خيرًا لكم . وثانيها : أنّه حال ، وخبر ليت في المجرور ، فيكون التقدير : ليتني كائن فيها ؛ أي : مدّةَ النبوّة في هذه الحال . وثالثها : أن يكون ليت أُعمِلتْ عمل تمنّيتُ ، فنصبت اسمين ، كما قاله الكوفيّون ، وأنشدوا عليه : يا ليتَ أيّامَ الصبا رواجعا وهذا فيه نظر . و ( قوله : أنصرك نصرًا مؤزَّرًا ) كذا رويناه بالزاي المفتوحة والراء المهملة ، وهو الصحيح ، ومعناه : قوِيًّا ، مأخوذ من الأزر وهو القوّة ، قال الله تعالى : اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وقوله في الأمّ : فجثثتُ منه فرقًا ، يروى بالحاء غير معجمة وبالثاءين المثلّثتين ، بمعنى : أسرعْتُ خوفًا منه . ويروى بالجيم المعجمة والثاءين ، وجَئِثْتُ بالجيم وبالهمزة المكسورة مكان الثاء الأولى ، قال الهرويّ : جوث الرجل وجئث وجثّ ؛ أي : أفزع .