[ 257 ] - وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ : سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ : أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ ؟ قَالَ : " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " ، فَقُلْتُ : أَوْ " اقْرَأْ " ؟ فَقَالَ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ : أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ ؟ قَالَ : " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " ، فَقُلْتُ : أَوْ اقْرَأْ ؟ قَالَ جَابِرٌ : أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي ، فَنُودِيتُ ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ ، يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام ، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ ، فَقُلْتُ : دَثِّرُونِي ، فَدَثَّرُونِي ، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " . [ 258 ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ - بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَقَالَ : فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . قَوْلُهُ ( إِنَّ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . وَأَمَّا " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " فَكَانَ نُزُولُهَا بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ . وَالدَّلَالَةُ صَرِيحَةٌ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْلُهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ إِلَى أَنْ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ . ثُمَّ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ : ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ يَعْنِي بَعْدَ فَتْرَتِهِ . فَالصَّوَابُ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ " اقْرَأْ " ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ : " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ الْفَاتِحَةُ فَبُطْلَانُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ ) أَيْ صِرْتُ فِي بَاطِنِهِ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ : ( فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ ) الْمُرَادُ بِالْعَرْشِ الْكُرْسِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعَرْشُ هُوَ السَّرِيرُ ، وَقِيلَ : سَرِيرُ الْمَلِكِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ " وَالْهَوَاءُ هُنَا مَمْدُودٌ يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ وَهُوَ الْجَوُّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَالْهَوَاءُ الْخَالِي . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ ) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ ( رَجْفَةٌ ) بِالرَّاءِ . قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ ( وَجْفَةٌ ) بِالْوَاوِ وَهُمَا صَحِيحَانِ مُتَقَارِبَانِ وَمَعْنَاهُمَا الِاضْطِرَابُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ " ، وَقَالَ تَعَالَى : " يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ " وَ " يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً ) فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْفَزِعِ الْمَاءَ لِيَسْكُنَ فَزَعُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " ، فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُدَّثِّرُ وَالْمُزَّمِّلُ وَالْمُتَلَفِّفُ وَالْمُشْتَمِلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الْمُدَّثِّرُ بِثِيَابِهِ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ قَوْلًا عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ مَعْنَاهُ الْمُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وَأَعْبَائِهَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى : قُمْ فَأَنْذِرْ مَعْنَاهُ حَذِّرِ الْعَذَابَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ " وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ " أَيْ عَظِّمْهُ وَنَزِّهْهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ " وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " قِيلَ : مَعْنَاهُ طَهِّرْهَا مِنَ النَّجَاسَةِ ، وَقِيلَ : قَصِّرْهَا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالثِّيَابِ النَّفْسُ أَيْ طَهِّرْهَا مِنَ الذَّنْبِ وَسَائِرِ النَّقَائِصِ ، " وَالرِّجْزُ " بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي قِرَاءَةِ الْأَكْثَرِينَ ، وَقَرَأَ حَفْصٌ بِضَمِّهَا ، وَفَسَّرَهُ فِي الْكِتَابِ بِالْأَوْثَانِ ( رِجْزًا ) لِأَنَّهُ سَبَبُ الْعَذَابِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالرِّجْزِ فِي الْآيَةِ الشِّرْكُ . وَقِيلَ : الذَّنْبُ ، وَقِيلَ : الظُّلْمُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 356 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمومن سورة المدثر · ص 422 ( 32 ) ومن سورة المدثر 161 ( 255 و 257 ) [ 2925] عن سلمة قال : سألت جابر بن عبد الله : أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ ؟ قَالَ : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُلْتُ : أَوْ اقْرَأْ ؟ قَالَ جَابِرٌ : أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي ، فَنُودِيتُ ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام - فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ : دَثِّرُونِي ، فَدَثَّرُونِي ، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وفي رواية : فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ : زَمِّلُونِي . . . الحديث . وفي أخرى : فجُئثت منه فَرَقا حتى هويت إلى الأرض . ( 32 ) ومن سورة المدثر قد تقدم القول فيما أنزل من القرآن أولا ، في حديث عائشة - رضي الله عنها - وتبين هناك أن الأخذ بحديثها أولى ؛ لأنها زادت على جابر بذكر ما سكت عنه من حديث لقاء جبريل النبي في الغار ، وإلقائه إليه : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ على ما ذكرته عائشة ، وقد دل على هذا أن حديث جابر قال فيه : " فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء " . قد تقدَّم القول على " فجئثت " في الإيمان . والمدثر : المدثر في ثيابه . و ( قوله : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ حجة لمن قال بوجوب غسل النجاسة ؛ إذ الأصل حمل الثياب والطهارة على الحقيقة اللغوية ، ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن طهارة القلب عن مذموم الأخلاق ، كما قال الشاعر : ثياب بني عوف طهارى نقية . . . . . . . . . . . . والرُّجز : الأوثان ، سماها بذلك لاستحقاق عابديها الرِّجز ، وهو العذاب . كقوله : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ واهجر : اترك . ولربك فاصبر : أي على ما تلقاه من الأذى والتكذيب عند الإنذار .