[346] 202 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي الْآيَةَ . وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصلاة والسلام ، فَسَأَلَهُ ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ - وَهُوَ أَعْلَمُ - فَقَالَ اللَّهُ : يَا جِبْرِيلُ ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ : إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ ، وَلَا نَسُوءُكَ . ( 87 ) باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وبكائه شفقة عليهم قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهيبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ ، حَدَّثَهُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ فِي يُونُسَ سِتُّ لُغَاتٍ : ضَمُّ النُّونِ وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا مَعَ الْهَمْزِ فِيهِنَّ وَتَرْكِهِ ، وَأَمَّا ( الصَّدَفِيُّ ) فَبِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالْفَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الصَّدِفِ - بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ - قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ : دَعَوْتُهُمْ فِي الصَّدِفِ ، وَلَيْسَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَا مِنْ مَوَالِيهِمْ ، تُوُفِّيَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى هَذَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ ، فَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ رِوَايَة مُسْلِم عَنْ شَيْخٍ عَاشَ بَعْدَهُ ، فَإِنَّ مُسْلِمًا تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا ( بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ ) فَبِفَتْحِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ الْآيَةَ . وَقَالَ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( وَقَالَ عِيسَى ) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْلُهُ ( قَالَ ) هُوَ اسْمٌ لِلْقَوْلِ لَا فِعْلٌ يُقَالُ قَالَ قَوْلًا وَقَالًا وَقِيلًا ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَتَلَا قَوْلَ عِيسَى . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ . قَوْلُهُ : عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ ( رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى . فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَاسْأَلْهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبِرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ : إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ ) هَذَا الْحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ مِنْهَا : بَيَانُ كَمَالِ شَفَقَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُمَّتِهِ وَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالِحِهِمْ ، وَاهْتِمَامِهِ بِأَمْرِهِمْ ، وَمِنْهَا : اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ ، وَمِنْهَا : الْبِشَارَةُ الْعَظِيمَةُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ - زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا - بِمَا وَعَدَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ ، وَهَذَا مِنْ أَرْجَى الْأَحَادِيثِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ أَرْجَاهَا ، وَمِنْهَا : بَيَانُ عِظَمِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظِيمِ لُطْفِهِ سُبْحَانَهُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْحِكْمَةُ فِي إِرْسَالِ جِبْرِيلَ لِسُؤَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِظْهَارُ شَرَفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنَّهُ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى فَيُسْتَرْضَى وَيُكْرَمُ بِمَا يُرْضِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا نَسُوءُكَ ) ، فَقَالَ صَاحِبُ ( التَّحْرِيرِ ) : هُوَ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنَى ، أَيْ : لَا نُحْزِنُكَ ; لِأَنَّ الْإِرْضَاءَ قَدْ يَحْصُلُ فِي حَقِّ الْبَعْضِ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ ، وَيَدْخُلُ الْبَاقِي النَّارَ فَقَالَ تَعَالَى : نُرْضِيكَ وَلَا نُدْخِلُ عَلَيْكَ حُزْنًا ، بَلْ نُنَجِّي الْجَمِيعَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وبكائه شفقة عليهم · ص 437 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب النبي أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم تفتح له الجنة وأولهم شفاعة واختباء دعوته شفاعة لأمته · ص 454 202 - [ 154 ] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو بْنِ الْعَاصِ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَلا قَوْلَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ الآيَةَ ، وَقَالَ عِيسَى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللهُمَّ ! أُمَّتِي . أُمَّتِي وَبَكَى ، فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا جِبْرِيلُ ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ ، فَسلْهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَأَتَاهُ جبريل فَسَأَلَهُ ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا قَالَ ، وهو أَعْلَمُ . فَقَالَ اللهُ : يَا جِبْرِيلُ ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ : إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ . و ( قوله : وقال عيسى : إن تعذّبهم ) هو مصدر معطوف على قوله : وتلا قول الله . والعرب تقول : قال يقول قولا وقالا وقيلا ، فكأنه قال : وتلا قول عيسى . ومعنى هاتين الآيتين أنّ كلَّ واحد من إبراهيم وعيسى لم يَجْزِمَا في الدعاء لعصاة أممهما ، ولم يُجْهدا أنفسهما في ذلك ، ولم يكن عندهما من فرْط الشفقة ما كان ينبغي لهما . ألا ترى أنهما في الآيتين كأنّهما تبرأا من عصاة أممهما ، ولما فهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - ذلك ؛ انبعث بحكم ما يجده من شدة شفقته ورأفته وكثرة حرصه على نجاة أمته ، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رفعة مقامه على غيره ، جازمًا في الدعاء مجتهدًا فيه لهم متضرعًا باكيا مُلحًّا يقول : أمتي أمتي ، فعل المحب المستهتر بمحبوبه ، الحريص على ما يرضيه ، الشفيق عليه ، اللطيف به ، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله فيهم ، وبشّره بما بشرّه من مآل حالهم ، حيث قال له تعالى : إنا سنرضيك في أمتك ، وهو معنى قوله تعالى : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . قال بعض العلماء : واللهِ ما يرضى محمد وواحد من أمته في النار . وهذا كلّه يدلّ على أنّ الله تعالى خصّ نبينا - صلى الله عليه وسلم - من كرم الخُلق ، ومن طيب النفس ، ومن مقام الفتوة بما لم يخص به أحدا غيره ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وبقوله : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية ، صلى الله عليه أفضل ما صلى على أحدٍ من خليقته ، وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته . وأمر الله تعالى جبريل بأن يسأل نبينا عليه الصلاة والسلام عن سبب بكائه ؛ ليعلم جبريل تمكن نبينا في مقام الفتوة ، وغاية اعتنائه بأمته - صلى الله عليه وسلم - .