[39] 249 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ : حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ، قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ، فَقَالُوا : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ؛ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي ، كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ ؛ أُنَادِيهِمْ : أَلَا هَلُمَّ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ ، ح ، وَحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ؛ جَمِيعًا عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ : فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي . قَوْلُهُ : ( سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ) هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ يُونُسَ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا مَعَ الْهَمْزِ فِيهِنَّ وَتَرْكِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ) أَمَّا ( الْمَقْبُرَةُ ) فَبِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا - ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْكَسْرُ قَلِيلٌ . وَأَمَّا ( دَارَ قَوْمٍ ) فَهُوَ بِنَصْبِ دَارَ ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَوِ النِّدَاءِ الْمُضَافِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، قَالَ : وَيَصِحُّ الْخَفْضُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي : ( عَلَيْكُمْ ) ، وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ : الْجَمَاعَةُ ، أَوْ أَهْلُ الدَّارِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مِثْلُهُ ، أَوِ الْمَنْزِلُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ) فَأَتَى بِالِاسْتِثْنَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا : أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّكِّ ، وَلَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ لِلتَّبَرُّكِ وَامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَالثَّانِي : حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ عَادَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ يُحَسِّنُ بِهِ كَلَامَهُ ، وَالثَّالِثُ : أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَائِدٌ إِلَى اللُّحُوقِ فِي هَذَا الْمَكَانِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِذَا شَاءَ اللَّهُ . وَقِيلَ : أَقْوَالٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا ، تَرَكْتُهَا لِضَعْفِهَا وَعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا ، مِنْهَا : قَوْلُ مَنْ قَالَ : الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ رَاجِعٌ إِلَى اسْتِصْحَابِ الْإِيمَانِ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : كَانَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤْمِنُونَ حَقِيقَةً ، وَآخَرُونَ يُظَنُّ بِهِمُ النِّفَاقَ ، فَعَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَيْهِمْ . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ - وَإِنْ كَانَا مَشْهُورَيْنِ - فِيهِمَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : جَوَازُ التَّمَنِّي لَا سِيَّمَا فِي الْخَيْرِ وَلِقَاءِ الْفُضَلَاءِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ، أَيْ : رَأَيْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقِيلَ : الْمُرَادُ : تَمَّنِي لِقَائِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبَاجِيُّ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، لَيْسَ نَفْيًا لِإخُوَتِّهِمْ ، وَلَكِنْ ذَكَرَ مَرْتَبَتَهُمُ الزَّائِدَةَ بِالصُّحْبَةِ ، فَهَؤُلَاءِ إِخْوَةٌ صَحَابَةٌ ، وَالَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا إِخْوَةً لَيْسُوا بِصَحَابَةٍ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ذَهَبَ أَبُو عُمَرَو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي فَضْلِ مَنْ يَأْتِي آخِرَ الزَّمَانِ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيمَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَيْرُكُمْ قَرْنِي ، عَلَى الْخُصُوصِ مَعْنَاهُ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي أَيْ : السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ ، فَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ وَهُمُ الْمُرَادُونَ بِالْحَدِيثِ ، وَأَمَّا مَنْ خَلَّطَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ رَآهُ وَصَحِبَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَابِقَةٌ وَلَا أَثَرٌ فِي الدِّينِ ؛ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْقُرُونِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ مَنْ يَفْضُلُهُمْ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَيْضًا غَيْرُهُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى الْمَعَانِي ، قَالَ : وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إِلَى خِلَافِ هَذَا ، وَأَنَّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَآهُ مَرَّةً مِنْ عُمْرِهِ ، وَحَصَلَتْ لَهُ مَزِيَّةُ الصُّحْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَأْتِي بَعْد ، فَإِنَّ فَضِيلَةَ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِلُهَا عَمَلٌ ، قَالُوا : وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ) أَمَّا ( بَيْنَ ظَهْرَيْ ) : فَمَعْنَاهُ : بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ . وَأَمَّا ( الدُّهْمُ ) : فَجَمْعُ أَدْهَمَ ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ ، وَالدُّهْمَةُ السَّوَادُ . وَأَمَّا ( الْبُهْمُ ) : فَقِيلَ السُّودُ أَيْضًا ، وَقِيلَ : الْبُهْمُ : الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنًا سِوَاهُ ، سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ ، بَلْ يَكُونُ لَوْنُهُ خَالِصًا ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنُ السِّكِّيتِ وَأَبِي حَاتِمٍ السِّخْتِيَانِيُّ وَغَيْرِهِمَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ) قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ : مَعْنَاهُ أَنَا أَتَقَدَّمهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، يُقَالُ : فَرَطَ الْقَوْمُ إِذَا تَقَدَّمَهُمْ لِيَرْتَادَ لَهُمُ الْمَاءَ ، وَيُهَيِّئَ لَهُمُ الدِّلَاءَ وَالرِّشَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : بِشَارَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ - زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا - فَهَنِيئًا لِمَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَطَهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ ) مَعْنَاهُ : تَعَالَوْا ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : فِي ( هَلُمَّ ) لُغَتَانِ ، أَفْصَحُهُمَا : هَلُمَّ لِلرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنَ الصِّنْفَيْنِ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَبِهَذِهِ اللُّغَةِ جَاءَ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ ، وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةُ : هَلُمَّ يَا رَجُلُ ، وَهَلُمَّا يَا رَجُلَانِ ، وَهَلُمُّوا يَا رِجَالُ ، وَلِلْمَرْأَةِ ( هَلُمِّي ) ، وَلَلْمَرْأَتَانِ ( هَلُمَّتَا ) ، وَلِلنِّسْوَةِ ( هَلُممن ) ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ : الْأُولَى أَفْصَحُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا ) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ : ( سُحْقًا سُحْقًا ) مَرَّتَيْنِ ، وَمَعْنَاهُ ( بُعْدًا بُعْدًا ) ، وَالْمَكَانُ السَّحِيقُ : الْبَعِيدُ ، وَفِي ( سُحْقًا سُحْقًا ) لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ : إِسْكَانُ الْحَاءِ وَضَمُّهَا ، قَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِالضَّمِّ ، وَالْبَاقُونَ بِالْإِسْكَانِ ، وَنُصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ : أَلْزَمَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا أَوْ سَحَقَهُمْ سُحْقًا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ · ص 484 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره · ص 500 249 - [ 185] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَتَى الْمَقْبُرَةَ ، فَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ، قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رسولَ الله ؟ قَالَ : أَنْتُمْ أَصْحَابِي . وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ . فَقَالُوا : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رسولَ الله ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَو أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ ، بَيْنَ ظَهرَيْ خَيْلٍ دُهمٍ بُهمٍ أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رسولَ الله ! قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ . أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ . أُنَادِيهِمْ : أَلا هَلُمَّ ! أَلا هَلُمَّ ! فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا . و ( قوله : أتى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ) المقبرة : تقال بفتح الباء وضمها ، وتسليمه عليهم لبيان مشروعية ذلك . وفيه معنى الدعاء لهم . ويدل أيضًا على حسن التعاهُد وكرم العَهدِ ، وعلى دوام الْحُرمة ، ويحتمل أن يَرد الله تعالى أرواحهم فيسمعون ويردون . وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة مرفوعًا ، قال : ما من مسلم يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد عليه السلام من قبره . وإتيان النبي - صلى الله عليه وسلم - المقبرة يدل على جواز زيارة القبور . ولا خلاف في جوازه للرجال ، وأن النهي عنه قد نسخ ، واختلف فيه للنساء على ما يأتي . و ( قوله : وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) يحتمل أوجهًا : أحدها : أنه امتثال لقول الله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فكان يكثر من ذلك حتى أدخله في ما لا بد منه وهو الموت . وثانيها : أنه يكون أراد : إنا بكم لاحقون في الإيمان ، ويكون هذا قبل أن يعلم بمآل أمره ، كما قال : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ . وثالثها : أن يكون استثناء في الواجب ، كما قال تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وتكون فائدته التفويض المطلق . ورابعها : أن يكون أراد : لاحقون بكم في هذه البقعةِ الخاصةِ ، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة ويدفن بها ، فإنه قد قال للأنصار : المحيا محياكم والممات مماتكم ، لكن لم تعين له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك ، وهذا الوجه أولى من كل ما ذكر ، وكلها أقوال لعلمائنا . و ( قوله : وددت أنا قد رأينا إخواننا ) هذا يدل على جواز تمني لقاء الفضلاء والعلماء ، وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني ، والحب الصحيح للرسول - صلى الله عليه وسلم - . وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث : أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني ، ويصدقون برسالتي ولم يلقوني ، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله ، وقد أخذ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله من هذا الحديث ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين منكم ؛ أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا ، وأن من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورآه ولو مرة من عمره ، أفضل من كل من يأتي بعد ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عملٌ . وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره ؛ لأمور : أولها : مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وثانيها : فضيلة السبق للإسلام . وثالثها : خصوصية الذب عن حضرةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ورابعها : فضيلة الهجرة والنصرة . وخامسها : ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وسادسها : تبليغها لمن بعدهم . وسابعها : السبق في النفقة في أول الإسلام . وثامنها : أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة ، فحظهم منه أكمل حظٍ ، وثوابهم فيه أجزل ثواب ؛ لأنهم سنوا سنن الخير ، وافتتحوا أبوابه ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ولا شك في أنهم الذين سنوا جميع السنن ، وسابقوا إلى المكارم . ولو عددت مكارِمُهُم ، وفسرت خواصهم ، وحصرت لملأت أسفارًا ، ولكلت الأعينُ بمطالعتها حيارى . وعن هذه الجملة قال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا : إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار من أصحابي أربعة - يعني : أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - فجعلهم أصحابي ، وقال : في أصحابي كلهم خير . وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذَهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصِيفَهُ . وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلاً ، وتعيينًا وإبهامًا ، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم . فأما استدلال المخالف بقوله - عليه الصلاة والسلام - : إخواننا فلا حجة فيه ؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوة الحظ الأوفر ؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة ، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة . وأما قوله : للعامل منهم أجر خمسين منكم ، فلا حجَّة فيه ؛ لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأنه قد قال - عليه الصلاة والسلام - في آخرِه : لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون ، ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه ، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث ، والله أعلم . و ( قوله : وأنا فرطُهمُ على الحوض ) أي : متقدمهم إليه ، يقال : فرطت القوم : إذا تقدمت لترتاد لهم الماءَ . و على وقعت هُنا موقع إلى ويحتمل أن يقدر هناك فعل يدل عليه مساق الكلام ، تقديرهُ : فيجدوني على الحوض . و ( قوله : ألا ليذادَنَّ ) كذا روايته هاهنا من غير خلاف ، واختلف فيه في الموطأ فرُوي : فليذادن بلام القسم . وروي : فلا يُذادنَّ ، بلا النافية ، وكلاهما صحيح ، فاللام على قسم محذوف تقديره : فوالله ليذادن ، وبـ لا يكون من باب قولهم : لا أرينك هاهنا ؛ أي : لا يتعاطى أسباب الذود عن حوضي ، ومعنى ليذادن : ليدفعن . والذود : الدفع . والدهم : جمع أدهم ، وهو الأسود من الخيل الذي يضرب إلى الخضرة . والبهم : جمع البهيم الذي لا لون فيه سوى الدهمة . و ( قوله : أناديهم ألا هلم ) أي : تعالوا . وفي هلم لغتان : إلحاق علامة التثنية والجمع ، وبهذه اللغة جاء لفظ هذا الحديث ، وبها جاء القرآن . و ( قوله : فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك ) اختلف العلماء في تأويله ، فالذي صار إليه الباجي وغيره - وهو الأشبه بمساق الأحاديث - : أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا ، وارتدوا من الصحابة وغيرهم ، فيحشرون في أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما قد تقدم من قوله : وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، وعليهم سيماء هذه الأمة من الغرة والتحجيل ، فإذا رآهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عرفهم بالسيماء ، ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم : ألا هلم ، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه ، وأُخِذ بهم ذات الشمال . فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رب أمتي ومن أمتي ، وفي لفظٍ آخر : أصحابي ، فيقال له إذ ذاك : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم ، فإذ ذاك تذهَبُ عنهم الغُرةُ والتحجيلُ ، ويُطفأ نورُهُم ، فيبقون في الظلمات ، فينقطع بهم عن الورود ، وعن جوازِ الصراطِ ، فحينئذ يقولون للمؤمنين : انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فيقال لهم : ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ، مكرًا وتنكيلاً ليتحققوا مقدار ما فاتهم ، فيعظم أسفهُم وحسرتُهم ، أعاذنا الله من أحوال المنافقين ، وألحقنا بعباده المخلصين . وقال الداودي وغيره : يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر والبدع الذين لم يخرجوا عن الإيمان ببدعتهم ، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته ، ويشفع لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال القاضي عياض : والأول أظهر . و ( قوله : سحقًا سحقًا ) أي : بُعدًا ، والمكان السحيق : البعيد ، والتكرار للتاكيد .