حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره

[ 185] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَتَى الْمَقْبُرَةَ ، فَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ، قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رسولَ الله ؟ قَالَ : أَنْتُمْ أَصْحَابِي . وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ . فَقَالُوا : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رسولَ الله ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَو أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ ، بَيْنَ ظَهرَيْ خَيْلٍ دُهمٍ بُهمٍ أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رسولَ الله ! قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ .

أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ . أُنَادِيهِمْ : أَلا هَلُمَّ ! أَلا هَلُمَّ ! فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا .

و ( قوله : أتى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ) المقبرة : تقال بفتح الباء وضمها ، وتسليمه عليهم لبيان مشروعية ذلك . وفيه معنى الدعاء لهم . ويدل أيضًا على حسن التعاهُد وكرم العَهدِ ، وعلى دوام الْحُرمة ، ويحتمل أن يَرد الله تعالى أرواحهم فيسمعون ويردون .

وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة مرفوعًا ، قال : ما من مسلم يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد عليه السلام من قبره . وإتيان النبي - صلى الله عليه وسلم - المقبرة يدل على جواز زيارة القبور . ولا خلاف في جوازه للرجال ، وأن النهي عنه قد نسخ ، واختلف فيه للنساء على ما يأتي .

و ( قوله : وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) يحتمل أوجهًا : أحدها : أنه امتثال لقول الله تعالى : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فكان يكثر من ذلك حتى أدخله في ما لا بد منه وهو الموت . وثانيها : أنه يكون أراد : إنا بكم لاحقون في الإيمان ، ويكون هذا قبل أن يعلم بمآل أمره ، كما قال : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ . وثالثها : أن يكون استثناء في الواجب ، كما قال تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وتكون فائدته التفويض المطلق .

ورابعها : أن يكون أراد : لاحقون بكم في هذه البقعةِ الخاصةِ ، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة ويدفن بها ، فإنه قد قال للأنصار : المحيا محياكم والممات مماتكم ، لكن لم تعين له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك ، وهذا الوجه أولى من كل ما ذكر ، وكلها أقوال لعلمائنا . و ( قوله : وددت أنا قد رأينا إخواننا ) هذا يدل على جواز تمني لقاء الفضلاء والعلماء ، وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني ، والحب الصحيح للرسول - صلى الله عليه وسلم - . وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث : أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني ، ويصدقون برسالتي ولم يلقوني ، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله ، وقد أخذ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله من هذا الحديث ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين منكم ؛ أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا ، وأن من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورآه ولو مرة من عمره ، أفضل من كل من يأتي بعد ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عملٌ .

وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره ؛ لأمور : أولها : مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وثانيها : فضيلة السبق للإسلام . وثالثها : خصوصية الذب عن حضرةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ورابعها : فضيلة الهجرة والنصرة . وخامسها : ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وسادسها : تبليغها لمن بعدهم .

وسابعها : السبق في النفقة في أول الإسلام . وثامنها : أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة ، فحظهم منه أكمل حظٍ ، وثوابهم فيه أجزل ثواب ؛ لأنهم سنوا سنن الخير ، وافتتحوا أبوابه ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ولا شك في أنهم الذين سنوا جميع السنن ، وسابقوا إلى المكارم . ولو عددت مكارِمُهُم ، وفسرت خواصهم ، وحصرت لملأت أسفارًا ، ولكلت الأعينُ بمطالعتها حيارى .

وعن هذه الجملة قال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا : إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار من أصحابي أربعة - يعني : أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - فجعلهم أصحابي ، وقال : في أصحابي كلهم خير . وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذَهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصِيفَهُ . وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلاً ، وتعيينًا وإبهامًا ، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم .

فأما استدلال المخالف بقوله - عليه الصلاة والسلام - : إخواننا فلا حجة فيه ؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوة الحظ الأوفر ؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة ، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة . وأما قوله : للعامل منهم أجر خمسين منكم ، فلا حجَّة فيه ؛ لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأنه قد قال - عليه الصلاة والسلام - في آخرِه : لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون ، ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه ، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث ، والله أعلم . و ( قوله : وأنا فرطُهمُ على الحوض ) أي : متقدمهم إليه ، يقال : فرطت القوم : إذا تقدمت لترتاد لهم الماءَ .

و على وقعت هُنا موقع إلى ويحتمل أن يقدر هناك فعل يدل عليه مساق الكلام ، تقديرهُ : فيجدوني على الحوض . و ( قوله : ألا ليذادَنَّ ) كذا روايته هاهنا من غير خلاف ، واختلف فيه في الموطأ فرُوي : فليذادن بلام القسم . وروي : فلا يُذادنَّ ، بلا النافية ، وكلاهما صحيح ، فاللام على قسم محذوف تقديره : فوالله ليذادن ، وبـ لا يكون من باب قولهم : لا أرينك هاهنا ؛ أي : لا يتعاطى أسباب الذود عن حوضي ، ومعنى ليذادن : ليدفعن .

والذود : الدفع . والدهم : جمع أدهم ، وهو الأسود من الخيل الذي يضرب إلى الخضرة . والبهم : جمع البهيم الذي لا لون فيه سوى الدهمة .

و ( قوله : أناديهم ألا هلم ) أي : تعالوا . وفي هلم لغتان : إلحاق علامة التثنية والجمع ، وبهذه اللغة جاء لفظ هذا الحديث ، وبها جاء القرآن . و ( قوله : فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك ) اختلف العلماء في تأويله ، فالذي صار إليه الباجي وغيره - وهو الأشبه بمساق الأحاديث - : أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا ، وارتدوا من الصحابة وغيرهم ، فيحشرون في أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما قد تقدم من قوله : وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، وعليهم سيماء هذه الأمة من الغرة والتحجيل ، فإذا رآهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عرفهم بالسيماء ، ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم : ألا هلم ، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه ، وأُخِذ بهم ذات الشمال .

فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رب أمتي ومن أمتي ، وفي لفظٍ آخر : أصحابي ، فيقال له إذ ذاك : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم ، فإذ ذاك تذهَبُ عنهم الغُرةُ والتحجيلُ ، ويُطفأ نورُهُم ، فيبقون في الظلمات ، فينقطع بهم عن الورود ، وعن جوازِ الصراطِ ، فحينئذ يقولون للمؤمنين : انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فيقال لهم : ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ، مكرًا وتنكيلاً ليتحققوا مقدار ما فاتهم ، فيعظم أسفهُم وحسرتُهم ، أعاذنا الله من أحوال المنافقين ، وألحقنا بعباده المخلصين . وقال الداودي وغيره : يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر والبدع الذين لم يخرجوا عن الإيمان ببدعتهم ، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته ، ويشفع لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال القاضي عياض : والأول أظهر .

و ( قوله : سحقًا سحقًا ) أي : بُعدًا ، والمكان السحيق : البعيد ، والتكرار للتاكيد .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث