[74] - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ ، وَيَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ ؛ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى ، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ ، فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يُعْجِبهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ) مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ فَلَوْ كَانَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ مُتَقَدِّمًا عَلَى نُزُولِ الْمَائِدَةِ لَاحْتُمِلَ كَوْنُ حَدِيثِهِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ مَنْسُوخًا بِآيَةِ الْمَائِدَةِ ، فَلَمَّا كَانَ إِسْلَامُهُ مُتَأَخِّرًا عَلِمْنَا أَنَّ حَدِيثَهُ يُعْمَلُ بِهِ ، وَهُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ غَيْرُ صَاحِبِ الْخُفِّ ، فَتَكُونُ السُّنَّةُ مُخَصِّصَةٌ لِلْآيَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرُوِّينَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ قَالَ : مَا سَمِعْتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ ، فَبَالَ قَائِمًا ، فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ : ادْنُهْ ، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ ، فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ) أَمَّا ( السُّبَاطَةُ ) فَبِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهِيَ مَلْقَى الْقُمَامَةِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِمَا تَكُونُ بِفِنَاءِ الدُّورِ مُرْفَقًا لِأَهْلِهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ سَهْلًا مُنْثَالًا يَحُدُّ فِيهِ الْبَوْلُ وَلَا يَرْتَدُّ عَلَى الْبَائِلِ ، وَأَمَّا سَبَبُ بَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا فَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ أَوْجُهًا حَكَاهَا الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَحَدُهَا : قَالَا : وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَشِفِي لِوَجَعِ الصُّلْبِ بِالْبَوْلِ قَائِمًا ، قَالَ فَتَرَى أَنَّهُ كَانَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعُ الصُّلْبِ إِذْ ذَاكَ ؟ وَالثَّانِي : أَنَّ سَبَبَهُ مَا رُوِيَ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ قَائِمًا لِعِلَّةٍ بِمَأْبِضِهِ ، وَ ( الْمَأْبِضُ ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهُوَ بَاطِنُ الرُّكْبَةِ ، وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا لِلْقُعُودِ فَاضْطُرَّ إِلَى الْقِيَامِ لِكَوْنِ الطَّرَفِ الَّذِي مِنَ السُّبَاطَةِ كَانَ عليا مُرْتَفِعًا ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَجْهًا رَابِعًا وَهُوَ : أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا لِكَوْنِهَا حَالَةً يُؤْمَنُ فِيهَا خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنَ السَّبِيلِ الْآخَرِ فِي الْغَالِبِ بِخِلَافِ حَالَةِ الْقُعُودِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ : الْبَوْلُ قَائِمًا أَحْصَنُ لِلدُّبُرِ ، وَيَجُوزُ وَجْهٌ خَامِسٌ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ لِلْجَوَازِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ ، وَكَانَتْ عَادَتُهُ الْمُسْتَمِرَّةُ يَبُولُ قَاعِدًا ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ ؛ مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا . رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ قَائِمًا أَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا ثَابِتٌ ، فَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ قَائِمًا إِلَّا لِعُذْرٍ ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَاقِ : اخْتَلَفُوا فِي الْبَوْلِ قَائِمًا ؛ فَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُمْ بَالُوا قِيَامًا ، قَالَ : وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - . وَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ بَالَ قَائِمًا ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ : أَنَّهُ كَانَ فِي مَكَانٍ يَتَطَايَرُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَوْلِ شَيْءٌ فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَتَطَايَرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْبَوْلُ جَالِسًا أَحَبُّ إِلَيَّ وَقَائِمًا مُبَاحٌ ، وَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . هَذَا كَلَامُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا بَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَيَحْتَمِلُ أَوْجُهًا : أَظْهَرُهَا : أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُونَهُ بَلْ يَفْرَحُونَ بِهِ ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ جَازَ الْبَوْلُ فِي أَرْضِهِ ، وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَنَظَائِرُ هَذَا فِي السُّنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى . وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : ( احْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ ) . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّةً بِهِمْ ، بَلْ كَانَتْ بِفِنَاءِ دُورِهِمْ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ ، فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ لَقُرْبِهَا مِنْهُمْ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونُوا أَذِنُوا لِمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ إِمَّا بِصَرِيحِ الْإِذْنِ ، وَإِمَّا بِمَا فِي مَعْنَاهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا بَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السُّبَاطَةِ الَّتِي بِقُرْبِ الدُّورِ مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ عَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّبَاعُدُ فِي الْمَذْهَبِ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ سَبَبَهُ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنَ الشُّغْلِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ بِالْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ ، فَلَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ مَجْلِسٌ حَتَّى حَفَزَهُ الْبَوْلُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّبَاعُدُ ، وَلَوْ أَبْعَدَ لَتَضَرَّرَ ، وَارْتَادَ السُّبَاطَةَ لِدَمَثِهَا ، وَأَقَامَ حُذَيْفَةُ بِقُرْبِهِ لِيَسْتُرَهُ عَنِ النَّاسِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي حَسَنٌ ظَاهِرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَتَنَحَّيْتُ ، فَقَالَ : ادْنُهْ ، فَدَنَوْتُ ، حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا اسْتَدْنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَسْتَتِرَ بِهِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاظِرِينَ ؛ لِكَوْنِهَا حَالَةً يُسْتَخْفَى بِهَا وَيُسْتَحَى مِنْهَا فِي الْعَادَةِ ، وَكَانَتِ الْحَاجَةُ الَّتِي يَقْضِيهَا بَوْلًا مِنْ قِيَامٍ يُؤْمَنُ مَعَهَا خُرُوجُ الْحَدَثِ الْآخَرِ وَالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، فَلِهَذَا اسْتَدْنَاهُ . وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : لَمَّا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ قَالَ : ( تَنَحَّ ) لِكَوْنِهِ كَانَ يَقْضِيهَا قَاعِدًا ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الْحَدَثَيْنِ جَمِيعًا فَتَحْصُلُ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ وَمَا يَتْبَعُهَا . وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مِنَ السُّنَّةِ الْقُرْبُ مِنَ الْبَائِلِ إِذَا كَانَ قَائِمًا ، فَإِذَا كَانَ قَاعِدًا فَالسُّنَّةُ الْإِبْعَادُ عَنْهُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ تَقَدَّمَ بَسْطُ أَكْثَرِهَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَنُشِيرُ إِلَيْهَا هَاهُنَا مُخْتَصَرَةً ، فَفِيهِ : إِثْبَاتُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَفِيهِ : جَوَازُ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ . وَفِيهِ جَوَازُ الْبَوْلِ قَائِمًا . وَجَاز قُرْب الْإِنْسَانِ مِنَ الْبَائِلِ . وَفِيهِ : جَوَازُ طَلَبِ الْبَائِلِ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْبُ مِنْهُ لِيَسْتُرَهُ . وَفِيهِ : اسْتِحْبَابُ السِّتْرِ . وَفِيهِ : جَوَازُ الْبَوْلِ بِقُرْبِ الدِّيَارِ . وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ · ص 508 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء في البول قائمًا · ص 524 ( 11 ) باب ما جاء في البول قائمًا 273 - [ 205] عَنْ أَبِي وَائِلٍ ؛ قَالَ : كَانَ أبو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ ، وَيَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانواَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ . فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَتَمَاشَى ، فَأَتَى سُبَاطَة قَومٍ خَلْفَ حَائِطٍ ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ ، فَبَالَ ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ . زَادَ فِي رِوَايَةٍ : فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ . ( 11 ) ومن باب ما جاء في البول قائمًا ( قول أبي موسى : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه ) يعني الجلود التي كانوا يلبسونها ، وقد سمعت بعض أشياخي من يحمل هذا على ظاهره ، ويقول : إن هذا كان من الإصر الذي حُمّلوُه ، والله تعالى أعلم . وقرضه : قطعه . والسباطة : المزبلة . وقول حذيفة : فانتبذت منه أي : صرت منه بعيدًا . واختلف العلماء في البول قائمًا ؛ فمنعه قوم مطلقًا ، منهم عائشة وابن مسعود . وقد ردّ سعد بن إبراهيم شهادة من بال قائمًا ؛ متمسكين في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه قال لعمر وقد رآه يبول قائمًا : يا عمر ! لا تَبُل قائمًا ، قال : فما بلت قائمًا بعد ، وبقول عائشة : من حدثكم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه ، وما كان يبول إلا قاعدًا . وذهب الجمهور إلى جواز ذلك ؛ إذا أمن مما يؤدي إليه : من تطاير البول ، وانكشاف العورة ؛ مستدلين بحديث حذيفة هذا ، منفصلين عن حديث عمر ، فإن في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق ، وهو ضعيف ، وعلى تقدير تسليم صحته فكأن ذلك لما يؤدي إليه من التطاير والانكشاف ، وعن حديث عائشة : فإنها أخبرت عما أدركته من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا شك في أن بوله قاعدًا كان أكثر أحواله ، ولا يلزم من قولها تكذيب حذيفة ؛ إذ هو العَالِم العَلمُ المرجوعُ إليه في قبول الأحاديث بإجماع الصحابة . وقد انفصل المانعون عن حديث حذيفة : باحتمال أن يكون فعله لجرحٍ بمأبضيه ، أو لنجاسة السُّباطة ، فلم يمكنه القعود فيها ، أو لأنه كان بين الناس ولم يمكنه التباعد ؛ لأن البول حَفَزهُ ؟ فبال قائمًا ؛ لئلا يخرج منه حدثٌ ، كما قد جاء عنه أنه قال للذي كان معه : تنح عني ، فإن كل بائلة تُفيخ . والجواب : أن هذه الأوجه وإن كانت محتملة ، إلا أن حذيفة كان شاهدًا لحالته كلها ، واستدل بهذا الفعل على جواز البول قائمًا ، وعلى ترك التعمق في التحرز من النجاسة ، فلو كان هناك شك من تلك الاحتمالات لما استدل به ، ولنقل ذلك المعنى ، والله أعلم . وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتوار على خلاف عادته ؛ لأن البول حفزه ، والله أعلم . ومع ذلك فارتاد لبوله السُّباطة خلف الحائط ، ويقال : إنه استقبل الجدار ، واستتر من المارين خلفه بحذيفة ، ولذلك دعاه فقام عند عقبه حتى فرغ ، والله تعالى أعلم .