باب ما جاء في البول قائمًا
) باب ما جاء في البول قائمًا 273 - [ 205] عَنْ أَبِي وَائِلٍ ؛ قَالَ : كَانَ أبو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ ، وَيَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانواَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ . فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَتَمَاشَى ، فَأَتَى سُبَاطَة قَومٍ خَلْفَ حَائِطٍ ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ ، فَبَالَ ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ . زَادَ فِي رِوَايَةٍ : فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ .
( 11 ) ومن باب ما جاء في البول قائمًا ( قول أبي موسى : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه ) يعني الجلود التي كانوا يلبسونها ، وقد سمعت بعض أشياخي من يحمل هذا على ظاهره ، ويقول : إن هذا كان من الإصر الذي حُمّلوُه ، والله تعالى أعلم . وقرضه : قطعه . والسباطة : المزبلة .
وقول حذيفة : فانتبذت منه أي : صرت منه بعيدًا . واختلف العلماء في البول قائمًا ؛ فمنعه قوم مطلقًا ، منهم عائشة وابن مسعود . وقد ردّ سعد بن إبراهيم شهادة من بال قائمًا ؛ متمسكين في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه قال لعمر وقد رآه يبول قائمًا : يا عمر ! لا تَبُل قائمًا ، قال : فما بلت قائمًا بعد ، وبقول عائشة : من حدثكم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه ، وما كان يبول إلا قاعدًا .
وذهب الجمهور إلى جواز ذلك ؛ إذا أمن مما يؤدي إليه : من تطاير البول ، وانكشاف العورة ؛ مستدلين بحديث حذيفة هذا ، منفصلين عن حديث عمر ، فإن في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق ، وهو ضعيف ، وعلى تقدير تسليم صحته فكأن ذلك لما يؤدي إليه من التطاير والانكشاف ، وعن حديث عائشة : فإنها أخبرت عما أدركته من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا شك في أن بوله قاعدًا كان أكثر أحواله ، ولا يلزم من قولها تكذيب حذيفة ؛ إذ هو العَالِم العَلمُ المرجوعُ إليه في قبول الأحاديث بإجماع الصحابة . وقد انفصل المانعون عن حديث حذيفة : باحتمال أن يكون فعله لجرحٍ بمأبضيه ، أو لنجاسة السُّباطة ، فلم يمكنه القعود فيها ، أو لأنه كان بين الناس ولم يمكنه التباعد ؛ لأن البول حَفَزهُ ؟ فبال قائمًا ؛ لئلا يخرج منه حدثٌ ، كما قد جاء عنه أنه قال للذي كان معه : تنح عني ، فإن كل بائلة تُفيخ . والجواب : أن هذه الأوجه وإن كانت محتملة ، إلا أن حذيفة كان شاهدًا لحالته كلها ، واستدل بهذا الفعل على جواز البول قائمًا ، وعلى ترك التعمق في التحرز من النجاسة ، فلو كان هناك شك من تلك الاحتمالات لما استدل به ، ولنقل ذلك المعنى ، والله أعلم .
وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتوار على خلاف عادته ؛ لأن البول حفزه ، والله أعلم . ومع ذلك فارتاد لبوله السُّباطة خلف الحائط ، ويقال : إنه استقبل الجدار ، واستتر من المارين خلفه بحذيفة ، ولذلك دعاه فقام عند عقبه حتى فرغ ، والله تعالى أعلم .