[111] 292 - وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا ، وَقَالَ الْآخَرَانِ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ ، فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، قَالَ : فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا ، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ، ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ، حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَكَانَ الْآخَرُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنْ الْبَوْلِ أَوْ مِنْ الْبَوْلِ . ( 34 ) بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ ، وَوُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : ( مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَبْرَيْنِ ، فَقَالَ : إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، قَالَ : فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا ، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ، ثُمَّ قَالَ : ( لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ أَوْ مِنَ الْبَوْلِ ) . أَمَّا ( الْعَسِيبُ ) فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَهُوَ الْجَرِيدُ وَالْغُصْنُ مِنَ النَّخْلِ ، وَيُقَالُ لَهُ : الْعُثْكَالُ ، وَقَوْلُهُ : ( بِاثْنَيْنِ ) هَذِهِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ، وَاثْنَيْنِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ، وَزِيَادَةُ الْبَاءِ فِي الْحَالِ صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، ( وَيَيْبَسَا ) مَفْتُوحُ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَبْلَ السِّينِ ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا - لُغَتَانِ . وَأَمَّا النَّمِيمَةُ فَحَقِيقَتُهَا نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُهَا وَاضِحًا مُسْتَقْصًى . وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ) ، فَرُوِيَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ : ( يَسْتَتِرُ ) بِتَائَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ ، ( وَيَسْتَنْزِهُ ) بِالزَّايِ وَالْهَاءِ ، ( وَيَسْتَبْرِئُ ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْهَمْزَةِ ، وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ ، وَمَعْنَاهَا : لَا يَتَجَنَّبُهُ ، وَيَتَحَرَّزُ مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ) فَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ . الْحَدِيثَ ) . ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابِ النَّمِيمَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَفِي كِتَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا : ( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، بَلْ إِنَّهُ كَبِيرٌ ، فَثَبَتَ بِهَاتَيْنِ الزِّيَادَتَيْنِ الصَّحِيحِيَّتَيْنِ أَنَّهُ كَبِيرٌ ، فَيَجِبُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ) . وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي زَعْمِهِمَا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرٍ تَرْكُهُ عَلَيْهِمَا ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَأْوِيلًا ثَالِثًا أَيْ لَيْسَ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ، قُلْتُ : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهَذَا الزَّجْرَ وَالتَّحْذِيرَ لِغَيْرِهِمَا ، أَيْ : لَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ أَنَّ التَّعْذِيبَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَبَبُ كَوْنِهِمَا كَبِيرَيْنِ : أَنَّ عَدَمَ التَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ ، فَتَرْكُهُ كَبِيرَةٌ بِلَا شَكٍّ ، وَالْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالسَّعْيُ بِالْفَسَادِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( كَانَ يَمْشِي ) بِلَفْظِ : ( كَانَ ) الَّتِي لِلْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ غَالِبًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا وَضْعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرِ ; فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ الشَّفَاعَةَ لَهُمَا ، فَأُجِيبَتْ شَفَاعَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمَا إِلَى أَنْ يَيْبَسَا . وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي آخِرِ الْكِتَابِ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَاحِبَيِ الْقَبْرَيْنِ : ( فَأُجِيبَتْ شَفَاعَتِي أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْقَضِيبَانِ رَطْبَيْنِ ) ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو لَهُمَا تِلْكَ الْمُدَّةَ ، وَقِيلَ : لِكَوْنِهِمَا يُسَبِّحَانِ مَا دَامَا رَطْبَيْنِ ، وَلَيْسَ لِلْيَابِسِ تَسْبِيحٌ ، وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرِينَ أَوِ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ قَالُوا : مَعْنَاهُ : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ ، ثُمَّ قَالُوا : حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ؛ فَحَيَاةُ الْخَشَبِ مَا لَمْ يَيْبَسْ ، وَالْحَجَرِ مَا لَمْ يُقْطَعْ . وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ هَلْ يُسَبِّحُ حَقِيقَةً أَمْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الصَّانِعِ ، فَيَكُونُ مُسَبِّحًا مُنَزِّهًا بِصُورَةِ حَالِهِ ؟ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ يُسَبِّحُ حَقِيقَةً ; وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَإِذَا كَانَ الْعَقْلُ لَا يُحِيلُ جَعْلَ التَّمْيِيزِ فِيهَا ، وَجَاءَ النَّصُّ بِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقَبْرِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُرْجَى التَّخْفِيفُ بِتَسْبِيحِ الْجَرِيدِ فَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ أَوْلَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيَّ الصَّحَابِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ ، فَفِيهِ أَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَبَرَّكَ بِفِعْلٍ مِثْلِ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ أَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ عَلَى الْقُبُورِ مِنَ الْأَخْوَاصِ وَنَحْوِهَا مُتَعَلِّقِينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ : لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَا وَجْهَ لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا فِقْهُ الْبَابِ فَفِيهِ : إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ . وَفِيهِ : نَجَاسَةُ الْأَبْوَالِ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ ) . وَفِيهِ غِلَظُ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَوُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ · ص 532 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء · ص 551 ( 19 ) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء 292 - [ 225] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَبْرَيْنِ . فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ . أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ . وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، قَالَ : فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ . ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا ، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا . ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا ، مَا لَمْ يَيْبَسَا . وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَانَ الآخَرُ لا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ أو مِنَ الْبَوْلِ . ( 19 ) ومن باب الاستبراء من البول ( قوله : وما يعذبان في كبير ) أي : عندكم ، وهو عند الله كبيرٌ ، كما جاء في البخاري : وإنه لكبير أي : عند الله ، وهذا مثل قوله تعالى : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ، وقد تقدم الكلام على النَّمام في الإيمان . والنميمة : هي القالة التي ترفع عن قائلها ليتضرر بها قائلها . و ( قوله : وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) أي : لا يجعل بينه وبين بوله سُترة حتى يتحفظ منه ، كما قال في الرواية الأخرى : لا يستنزه عن البول أي : لا يتباعد منه . وهذا يدل على أن القليل من البول ومن سائر النجاسات والكثير منه سواء ، وهو مذهب مالك وعامة الفقهاء ، ولم يخفَّفوا في شيء من ذلك إلا في اليسير من دم غير الحيض خاصةً . واختلف أصحابنا في مقدار اليسير ، فقيل : هو قدر الدرهم البغلي . وقيل : قدر الخنصر ، وجعل أبو حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة معفو عنه ، قياسًا على المخرجين ، وقال الثوري : كانوا يرخصون في القليل من البول ، ورخص الكوفيون في مثل رؤوس الإبرِ من البول . وفيه دليلٌ على أن إزالة النجاسة واجبة متعينة ، وكذلك في قوله : استنزهوا من البول ، فإن عامة عذاب القبر منه . وقد تخيل الشافعي في لفظ البول العموم ، فتمسك به في نجاسة جميع الأبوال ، وإن كان بول ما يؤكل لحمه . وقد لا يسلم له أن الاسم المفرد للعموم ، ولو سلم ذلك ، فذلك إذا لم يقترن به قَرِينةُ عهدٍ ، وقد اقترنت هاهنا ، ولئن سُلم له ذلك فدليل تخصيصه حديث إباحة شرب أبوال الإبل للعرنيين ، وإباحة الصلاة في مرابض الغنم ، وطوافه - عليه الصلاة والسلام - على بعير ، وسيأتي . و ( قوله : فدعا بعسيب رطب ) العسيب من النخل : كالقضيب مما سِواهَا ، والرطب : الأخضر . و ( قوله : لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) اختلف العلماء في تأويل هذا الفعل ، فمنهم من قال : أوحي إليه أنه يخفف عنهما ما داما رطبين ، وهذا فيه بُعدٌ ؛ لقوله : لعله ، ولو أوحي إليه لما احتاج إلى الترجي . وقيل : لأنهما ما داما رطبين يسبحان ، فإن رطوبتهما حياتهما ، وأخذ من هذا التأويل جواز القراءة والذكر على القبور . وقيل : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شفع لهما ، ودعا بأن يخفف عنهما ، ما داما رطبين ، وقد دل على هذا حديث جابر الذي يأتي في آخر الكتاب في حديث القبرين ، قال فيه : فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ذلك ، ما دام القضيبان رطبين ، فإن كانت القضية واحدة - وهو الظاهر - فلا مزيد على هذا في البيان .