باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء
) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء 292 - [ 225] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَبْرَيْنِ . فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ . أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ .
وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، قَالَ : فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ . ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا ، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا . ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا ، مَا لَمْ يَيْبَسَا .
وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَانَ الآخَرُ لا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ أو مِنَ الْبَوْلِ . ( 19 ) ومن باب الاستبراء من البول ( قوله : وما يعذبان في كبير ) أي : عندكم ، وهو عند الله كبيرٌ ، كما جاء في البخاري : وإنه لكبير أي : عند الله ، وهذا مثل قوله تعالى : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ، وقد تقدم الكلام على النَّمام في الإيمان . والنميمة : هي القالة التي ترفع عن قائلها ليتضرر بها قائلها .
و ( قوله : وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) أي : لا يجعل بينه وبين بوله سُترة حتى يتحفظ منه ، كما قال في الرواية الأخرى : لا يستنزه عن البول أي : لا يتباعد منه . وهذا يدل على أن القليل من البول ومن سائر النجاسات والكثير منه سواء ، وهو مذهب مالك وعامة الفقهاء ، ولم يخفَّفوا في شيء من ذلك إلا في اليسير من دم غير الحيض خاصةً . واختلف أصحابنا في مقدار اليسير ، فقيل : هو قدر الدرهم البغلي .
وقيل : قدر الخنصر ، وجعل أبو حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة معفو عنه ، قياسًا على المخرجين ، وقال الثوري : كانوا يرخصون في القليل من البول ، ورخص الكوفيون في مثل رؤوس الإبرِ من البول . وفيه دليلٌ على أن إزالة النجاسة واجبة متعينة ، وكذلك في قوله : استنزهوا من البول ، فإن عامة عذاب القبر منه . وقد تخيل الشافعي في لفظ البول العموم ، فتمسك به في نجاسة جميع الأبوال ، وإن كان بول ما يؤكل لحمه .
وقد لا يسلم له أن الاسم المفرد للعموم ، ولو سلم ذلك ، فذلك إذا لم يقترن به قَرِينةُ عهدٍ ، وقد اقترنت هاهنا ، ولئن سُلم له ذلك فدليل تخصيصه حديث إباحة شرب أبوال الإبل للعرنيين ، وإباحة الصلاة في مرابض الغنم ، وطوافه - عليه الصلاة والسلام - على بعير ، وسيأتي . و ( قوله : فدعا بعسيب رطب ) العسيب من النخل : كالقضيب مما سِواهَا ، والرطب : الأخضر . و ( قوله : لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) اختلف العلماء في تأويل هذا الفعل ، فمنهم من قال : أوحي إليه أنه يخفف عنهما ما داما رطبين ، وهذا فيه بُعدٌ ؛ لقوله : لعله ، ولو أوحي إليه لما احتاج إلى الترجي .
وقيل : لأنهما ما داما رطبين يسبحان ، فإن رطوبتهما حياتهما ، وأخذ من هذا التأويل جواز القراءة والذكر على القبور . وقيل : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شفع لهما ، ودعا بأن يخفف عنهما ، ما داما رطبين ، وقد دل على هذا حديث جابر الذي يأتي في آخر الكتاب في حديث القبرين ، قال فيه : فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ذلك ، ما دام القضيبان رطبين ، فإن كانت القضية واحدة - وهو الظاهر - فلا مزيد على هذا في البيان .