- وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ . [37] 317 - وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ : أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلَهُ مِنْ الْجَنَابَةِ ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ ، فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَالْأَشَجُّ وَإِسْحَقُ ، كُلُّهُمْ عَنْ وَكِيعٍ ، ح ، وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا إِفْرَاغُ ثَلَاثِ حَفَنَاتٍ عَلَى الرَّأْسِ ، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ وَصْفُ الْوُضُوءِ كُلِّهِ يَذْكُرُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ذِكْرُ الْمِنْدِيلِ . قَوْلُهَا : ( أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ . قَوْلُهَا : ( ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَلْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ إِذَا فَرَغَ أَنْ يَغْسِلُ يَدَهُ بِتُرَابٍ أَوْ أُشْنَانٍ أَوْ يَدْلُكُهَا بِالتُّرَابِ أَوْ بِالْحَائِطِ ، لِيَذْهَبَ الِاسْتِقْذَارُ مِنْهَا . قَوْلُهَا ( ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأَصْلِ الَّتِي بِبِلَادِنَا : ( كَفِّهِ ) بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ ( كَفَّيْهِ ) بِالتَّثْنِيَةِ ، وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِرِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ ، ( وَالْحَفْنَةُ ) مِلْءُ الْكَفَّيْنِ جَمِيعًا . قَوْلُهَا : ( ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَرْكِ تَنْشِيفِ الْأَعْضَاءِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ أَصْحَابِنَا فِي تَنْشِيفِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : أَشْهَرُهَا : أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ ، وَلَا يُقَالُ : فِعْلُهُ مَكْرُوهٌ . وَالثَّانِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مُبَاحٌ ، يَسْتَوِي فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ ، فَإِنَّ الْمَنْعَ وَالِاسْتِحْبَابَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ . وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْأَوْسَاخِ . وَالْخَامِسُ : يُكْرَهُ فِي الصَّيْفِ دُونَ الشِّتَاءِ . هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ فِي التَّنْشِيفِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ . وَالثَّانِي : مَكْرُوهٌ فِيهِمَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى . وَالثَّالِثُ : يُكْرَهُ فِي الْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . وَقَدْ جَاءَ فِي تَرْكِ التَّنْشِيفِ هَذَا الْحَدِيثُ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ وَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً ، وَأَمَّا فِعْلُ التَّنْشِيفِ ، فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنْ أَوْجُهٍ ، لَكِنَّ أَسَانِيدَهَا ضَعِيفَةٌ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ ، وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِبَاحَةِ التَّنْشِيفِ ، بِقَوْلِ مَيْمُونَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا ، يَعْنِي يَنْفُضُهُ . قَالَ : فَإِذَا كَانَ النَّفْضُ مُبَاحًا ، كَانَ التَّنْشِيفُ مِثْلُهُ أَوْلَى لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إِزَالَةِ الْمَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( الْمِنْدِيلُ ) فَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : لَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّدْلِ وَهُوَ النَّقْلُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّدْلِ ، وَهُوَ الْوَسَخُ ; لِأَنَّهُ يُنْدَلُ بِهِ ، وَيُقَالُ : تَنَدَّلْتُ بِالْمِنْدِيلِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَيُقَالُ أَيْضًا : تَمَنْدَلْتُ بِهِ ، وَأَنْكَرَهَا الْكِسَائِيُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ · ص 555 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في صفة غسله صلى الله عليه وسلم من الجنابة · ص 577 317- [ 247] وَعَنْ مَيْمُونَةَ ؛ قَالَتْ : أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ، ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفنَاتٍ مِلْءَ كَفهِ ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : ثُمَ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ ، فَلَمْ يَمَسَّهُ ، وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا ، يَعْنِي يَنْفُضُهُ . وَفِي أُخرى : وَصْفُ الْوُضُوءِ كُلِّهِ ، يَذْكُرُ الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ فيه . وفي حديث ميمونة : ثم تنحى عن مقامِه فغسل رجليه ، استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل رجليه على ظاهر هذه الأحاديث ، وذلك ليكون الافتتاحُ والاختتام بأعضاء الوضوء . وقد رُوي عن مالك : ليس العمل على تأخير غسل الرجلين ، وليتم وضوءه في أول غسله ، فإن أخرهما أعاد وضوءه عند الفراغ ، وكأنه رأى أن ما وقع هنا كان لما ناله من تلك البقعة ، وروي عنه : أنه واسعٌ ، والأظهر الاستحباب ؛ لدوام النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل ذلك . و ( في حديث ميمونة أنه أتي بالمنديل فرده ) يتمسك به من كره التَمندُلَ بعد الوضوءِ والغسل ، وبه قال ابن عمرو ، وابن أبي ليلى ، وإليه مال أصحاب الشافعي رحمه الله ، وقال : هو أثر عبادةٍ فتكره إزالته ، كدم الشهيد ، وخلوف فم الصائم ، ولا حجة في الحديث ؛ لاحتمال أن يكون رده إياه لشيء رَآهُ في المنديل ، أو لاستعجاله للصلاة ، أو تواضعًا ، أو مجانبة لعادة المترفهين . وأما القياس فلا نسلمهُ ؛ لأنا نمنع الحكم في الأصل ؛ إذ الشهيد يحرم غَسل دمه ، لا يكره ، ولا تكره إزالة الخلوف بالسواك ، وروي عن ابن عباس أنه يُكره التمندُلُ في الوضوء دون الغسل . والصحيح أن ذلك واسع ، كما ذهب إليه مالك ، تمسكًا بعدم الناقل عن الأصل . وأيضًا فقد روي عن عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء ، ومن حديث معاذ : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح وجهه من وضوئه بطرف ثوبه ، ذكرهما الترمذي ، وقال : لا يصح في الباب شيء . و ( قولها : وجعل يقول بالماء هكذا ) تعني : ينفضه ، ردٌّ على من كره التمندل ، وقال : لأن الوضوء نور ، إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه ؛ لأن النفضَ كالمسح في إتلاف ذلك الماء . و ( قولها : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمضمض واستنشق في الغسل ) متمسك لأبي حنيفة في إيجابه المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل ، وقد تكلمنا على ذلك في الوضوء ، ولا متمسك له فيه هاهُنا ؛ للاتفاق على أن هذا الوضوء في أول الغسل ليس بواجب ، بل مندوب ؛ ولأن المأمور به في الغسل ظاهر جلدِ الإنسان لا باطنه ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : فاغسلوا الشعر وأنقوا البَشر ، والبَشر : ظاهر جلد الإنسان المباشِر .