[ 108 ] 367 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا : أَلَا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ : حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ : فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ : مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ . ( 28 ) بَابُ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَصْدُ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ : التَّيَمُّمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْقَصْدُ ، يُقَالُ : تَيَمَّمْتُ فُلَانًا وَيَمَّمْتُهُ وَتَأَمَّمْتُهُ وَأَمَمْتُهُ أَيْ قَصَدْتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَهُوَ خِصِّيصَةٌ خَصَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أكْبَرَ ، وَسَوَاءٌ تَيَمَّمَ عَنِ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ ، فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٍ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفِقَيْنِ . وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَآخَرُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَحُكِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْإِبْطَيْنِ ، هَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَسْحُ مَا وَرَاءِ الْمَرْفِقَيْنِ ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا أَيْضًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُجْزِيهِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ : ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٍ ثَانِيَةٍ لِكَفَّيْهِ ، وَثَالِثَةٍ لِذِرَاعَيْهِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ أَهْلُ هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَمَنْ قَبْلَهُمْ عَلَى جَوَازِهِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَفِ وَلَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ الْإِمَامِ التَّابِعِيِّ ، وَقِيلَ : إِنَّ عُمَرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ رَجَعَا عَنْهُ . وَقَدْ جَاءَتْ بِجَوَازِهِ لِلْجُنُبِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالتَّيَمُّمِ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِمَامِ التَّابِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَلْزَمُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَمَنْ بَعْدَهُ وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجُنُبِ بِغَسْلِ بَدَنِهِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمُعْزِبِ فِي الْإِبِلِ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ وَإِنْ كَانَا عَادِمَيْنِ لِلْمَاءِ ، وَيَغْسِلَانِ فَرْجَيْهِمَا ، وَيَتَيَمَّمَانِ ، وَيُصَلِّيَانِ ، وَيَجْزِيهِمَا التَّيَمُّمُ ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمَا إِذَا غَسَلَا فَرْجَيْهِمَا . فَإِنْ لَمْ يَغْسِلِ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ عَلَى حَالِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ رُطُوبَةَ فَرْجِ الْمَرْأَةِ نَجِسَةٌ لَزِمَهُ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ الْمُحْدِثِ نَجَاسَةٌ ، فَأَرَادَ التَّيَمُّمَ بَدَلًا عَنْهَا فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : يَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى بَدَنِهِ ، وَلَمْ يَجُزِ إِذَا كَانَتْ عَلَى ثَوْبِهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي وُجُوبِ إِعَادَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كَانَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولُونَ : يَمْسَحُ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِتُرَابٍ ، وَيُصَلِّي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا إِعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بِالتَّيَمُّمِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُعِيدُ إِذَا تَيَمَّمَ لِلْمَرَضِ أَوِ الْجِرَاحَةِ وَنَحْوهِمَا ، وَأَمَّا إِذَا تَيَمَّمَ لِلْعَجْزِ عَنِ الْمَاءِ ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُعْدَمُ فِيهِ الْمَاءُ غَالِبًا كَالسَّفَرِ لَمْ تَجِبُ الْإِعَادَةُ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْدَمُ فِيهِ الْمَاءَ إِلَّا نَادِرًا وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا جِنْسُ مَا يُتَيَمَّمُ بِهِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْعُضْوِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ حَتَّى بِالصَّخْرَةِ الْمَغْسُولَةِ ، وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَجَوَّزَهُ بِكُلِّ مَا اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ مِنَ الْخَشَبِ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي الثَّلْجِ رِوَايَتَانِ . وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِالثَّلْجِ وَكُلِّ مَا عَلَى الْأَرْضِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حُكْمُ التَّيَمُّمِ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، بَلْ يُبِيحُ الصَّلَاةَ ، فَيَسْتَبِيحُ بِهِ فَرِيضَةً وَمَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ الْفَرِيضَةَ وَالنَّافِلَةَ ، وَإِنْ نَوَى النَّفْلَ اسْتَبَاحَ النَّفْلَ وَلَمْ يَسْتَبِحْ بِهِ الْفَرْضَ ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنَائِزَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ فَرِيضَةً وَجَنَائِزَ ، وَلَا يَتَيَمَّمُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَإِذَا رَأَى الْمُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ مَاءً وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ، بَلْ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) فِيهِ جَوَازُ مُسَافَرَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ . قَوْلُهَا : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ ) أَمَّا ( الْبَيْدَاءُ ) فَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فِي أَوَّلِهَا وَبِالْمَدِّ ، وَأَمَّا ( ذَاتُ الْجَيْشِ ) فَبِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْبَيْدَاءُ وَذَاتُ الْجَيْشِ مَوْضِعَانِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ ، وَأَمَّا ( الْعِقْدُ ) فَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ فَيُسَمَّى عِقْدًا وَقِلَادَةً ، وَأَمَّا قَوْلُهَا ( عِقْدٌ لِي ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى اسْتَعَارَتْ مِنَ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِلْكٌ لِأَسْمَاءَ وَأَضَافَتْهُ فِي الرِّوَايَةِ إِلَى نَفْسِهَا لِكَوْنِهِ فِي يَدِهَا ، وَقَوْلُهَا : ( فَهَلَكَتْ ) مَعْنَاهُ ضَاعَتْ ، وَفِي هَذَا الْفَصْلِ مِنَ الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا جَوَازُ الْعَارِيَةِ ، وَجَوَازُ عَارِيَةِ الْحُلِيِّ ، وَجَوَازُ الْمُسَافَرَةِ بِالْعَارِيَةِ إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ ، وَجَوَازُ اتِّخَاذِ النِّسَاءِ الْقَلَائِدَ . وَفِيهِ الِاعْتِنَاءُ بِحِفْظِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَإِنْ قَلَّتْ ، وَلِهَذَا أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْتِمَاسِهِ ، وَجَوَازِ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَإِنْ احْتَاجَ إِلَى التَّيَمُّمِ ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا : ( فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي ) فِي تَأْدِيبِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ ، وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً مُزَوَّجَةً خَارِجَةً عَنْ بَيْتِهِ . وَقَوْلُهَا : ( يَطْعُنُ ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَحُكِيَ فَتْحِهَا ، وَفِي الطَّعْنِ فِي الْمَعَانِي عَكْسُهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَحُضَيْرٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَلَا يَضُرُّ بَيَانُهُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ . قَوْلُهَا : ( فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهَ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا فَوَجَدَهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : رَجُلَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ : نَاسًا وَهِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمَبْعُوثُ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَأَتْبَاعٌ لَهُ فَذَهَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا ، ثُمَّ وَجَدَهَا أُسَيْدُ بَعْدَ رُجُوعِهِ تَحْتَ الْبَعِيرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب التَّيَمُّمِ · ص 44 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء في التيمم · ص 610 ( 38 ) باب ما جاء في التيمم 367- [ 287] عَنْ عَائِشَةَ ؛ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ ، أو بِذَاتِ الْجَيْشِ ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْتِمَاسِهِ ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ . فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالُوا : أَلا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَبِالنَّاسِ معه ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ . فَجَاءَ أبو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ . فَقَالَ : حَبَسْتِ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَالنَّاسَ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ . قَالَتْ : فَعَاتَبَنِي أبو بَكْرٍ ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي . فَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى فَخِذِي . فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا . فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ - وهو أَحَدُ النُّقَبَاءِ - : مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. 367- [ 288 ] وَعَنْهَا ؛ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ . فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ . فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ . فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ . فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا . فَوَاللهِ ! مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلا جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً . ( 38 ) ومن باب ما جاء في التيمم التيمم في اللغة : القصد إلى الشيء ، ومنه قول الشاعر : تَيَمَّمَتِ العَيْنَ التي عند ضارجٍ ... ... ... ... أي : قصدت ، وهو في الشرع : القصد إلى الأرض لفعل عبادة مخصوصة على ما يأتي . و البَيدَاءُ ، وذات الجيش : موضعان قريبان من المدينة . و ( قولها : انقطع عقدٌ لي ) أضافت العقد لنفسها ؛ لأنه في حوزتها ، وإلا فقد جاء في الرواية الآتية : أنها استعارته من أسماء . وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بالناس على التماسه على حالة عدم الماء ؛ يدل على حرمة الأموال الحلال ، وأنها لا تضاع ، وفي هذا الحديث أبواب من الفقه من تأملها أدركها على قرب . و ( قوله : فأنزل الله آية التيمم ) نسب الآية التي نزلت فيه وهو التيمم ، وأما الوضوء فقد كان معروفًا معمولاً به عندهم . و ( قولها : فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا العقد تحته ) جاء في البخاري في هذا الحديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجده . وفي رواية : أنه بعث رجلين . وفي أخرى : أنه بعث أناسًا . وهذا كله لا تناقض فيه ، وهو صحيح المعنى ، وذلك أنه بعث أسيد بن الحضير في أناس فطلبوا فلم يجدوا شيئًا في وجهتهم ، فلما رجعوا أثارُوا البعير فوجدوه تحته ، وكون الأناس المبعوثين صلوا بغير وضوء ولا تيمم ؛ دليلٌ على من صَار إلى أنه إذا عدمهما يصلي ، وهي مسألة اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال : الأول : لا صلاة عليه ولا قضاء . قاله مالك ، وابن نافع ، والثوري ، والأوزاعي ، وأهل الرأي . الثاني : يصلي ويقضي . قاله ابن القاسم والشافعي . الثالث : يصلي ولا يعيد . قاله أشهب . الرابع : يقضي ولا يصلي . وسبب الخلاف في هذه المسألة ، هل الطهارة شرط في الوجوب أو في الأداء ؟ ولا حُجَّة للمتمسك بهذا الحديث على شيء من هذه المسألة ؛ لأن كون المبعوثين صلوا كذلك رأيٌ رأوهُ ، ولم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرهم على شيء من ذلك ، وأيضًا فإنه قال : فصلوا بغير وضوء ، فنفى الوضوء خاصة ، ولم يتعرض للتيمم ؛ فلعلهم فعلوا كما فعل عمار تمرغوا في التراب ، والله أعلم .