[ 65 ] 405 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الَّذِي كَانَ أُرِيَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ : أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . [ 66 ] 406 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ : لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ : أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً ؟ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْنَا : قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . [ 67 ] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ وَمِسْعَرٍ ، عَنْ الْحَكَمِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ مِسْعَرٍ : أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً . [ 68] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ وَعَنْ مِسْعَرٍ ، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ كُلُّهُمْ عَنْ الْحَكَمِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَلَمْ يَقُلْ : اللَّهُمَّ . [ 69 ] 407 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : أَخْبَرَنَا رَوْحٌ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . ( 17 ) بَاب الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِبَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فِي الصَّلَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَالْجَمَاهِيرُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ لَوْ تُرِكَتْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَوْ تُرِكَتْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، وَهُوَ قَوْلُهُ الشَّعْبِيُّ ، وَقَدْ نَسَبَ جَمَاعَةٌ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا إِلَى مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ فَإِنَّهُ مَذْهَبُ الشَّعْبِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ لِوُجُوبِهَا خَفَاءٌ ، وَأَصْحَابُنَا يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَذْكُورِ هُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا : كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِهِ . قَالُوا : وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَظْهَرُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ إِلَّا إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِهِ . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ رَوَاهَا الْإِمَامَانِ الْحَافِظَانِ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْبُسْتِيُّ ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحَيْهِمَا . قَالَ الْحَاكِمُ : هِيَ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَاحْتَجَّ لَهَا أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا فِي صَحِيحَيْهِمَا بِمَا رَوَيَاهُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ ، وَلَمْ يُمَجِّدْهُ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " عَجَّلَ هَذَا " ثُمَّ دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلْيَدْعُ مَا شَاءَ " . قَالَ الْحَاكِمُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ وَإِنْ اشْتَمَلَا عَلَى مَا لَا يَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ كَالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالدُّعَاءِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ الِاحْتِجَاجُ بِهِمَا ، فَإِنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ ، فَإِذَا خَرَجَ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ عَنِ الْوُجُوبِ بِدَلِيلٍ بَقِيَ الْبَاقِي عَلَى الْوُجُوبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْوَاجِبُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ ، وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي آلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَقْوَالٍ : أَظْهَرُهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَزْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ ، وَالثَّانِي بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ، وَالثَّالِثُ أَهْلُ بَيْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذُرِّيَّتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ الْمُجْمِرَ ، وَأَنَّهُ صِفَةٌ لِنُعَيْمٍ أَوْ لِأَبِيهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ) هُوَ الْبَدْرِيُّ ، وَاسْمُهُ عُقْبَةُ بْنُ عُمَرَ ، وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْمُقَدِّمَةِ وَفِي غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ ) مَعْنَاهُ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى : صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فَكَيْفَ نَلْفِظُ بِالصَّلَاةِ ؟ وَفِي هَذَا أَنَّ مَنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ لَا يُفْهَمُ مُرَادُهُ يُسْأَلُ عَنْهُ لِيَعْلَمَ مَا يَأْتِي بِهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ . قَالَ : وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، قُلْتُ : وَهَذَا ظَاهِرُ اخْتِيَارِ مُسْلِمٍ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . قَوْلُهُ : ( فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ) مَعْنَاهُ كَرِهْنَا سُؤَالَهُ مَخَافَةً مِنْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَ سُؤَالَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ ) مَعْنَاهُ قَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيَّ ، فَأَمَّا الصَّلَاةُ فَهَذِهِ صِفَتُهَا ، وَأَمَّا السَّلَامُ فَكَمَا عَلِمْتُمْ فِي التَّشَهُّدِ ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهُ وَبَرَكَاتُهُ . وَقَوْلُهُ : ( عَلِمْتُمْ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ عُلِّمْتُكُمُوهُ . وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَى الْبَرَكَةِ هُنَا الزِّيَادَةُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ وَالتَّزْكِيَةِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ مَعَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ لِيُتِمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِمْ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِهِ . وَقِيلَ : بَلْ سَأَلَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ ، وَقِيلَ : بَلْ لِيَبْقَى ذَلِكَ لَهُ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيَجْعَلَ لَهُ بِهِ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ كَإِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقِيلَ : سَأَلَ صَلَاةً يَتَّخِذُهُ بِهَا خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَالْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدِهَا حَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَعْنَاهُ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَتَمَّ الْكَلَامُ هُنَا ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ : وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ أَيْ وَصَلِّ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ، فَالْمَسْؤُولُ لَهُ مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَفْسُهُ . الْقَوْلُ الثَّانِي مَعْنَاهُ اجْعَلْ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاةً مِنْكَ كَمَا جَعَلَتْهَا لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ ، فَالْمَسْؤُولُ الْمُشَارَكَةُ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ لَا قَدْرِهَا . الْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرهِ ، وَالْمُرَادُ اجْعَلْ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاةً بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ الَّتِي لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ وَالْمَسْؤُولُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ فَإِنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْآلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأَتْبَاعِ ، وَيَدْخُلُ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي آلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيٌّ فَطَلَبَ إِلْحَاقَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا نَبِيٌّ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا خَلَائِقُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَلَمْ يَجِئْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْغَرِيبَةِ قَالَ : وَاخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّحْمَةِ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى أَنَّهُ يُقَالُ ، وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ ، وَحُجَّةُ الْأَكْثَرِينَ تَعْلِيمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الرَّحْمَةِ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ الرَّحْمَةَ . وَقَوْلُهُ : ( وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ) قِيلَ : الْبَرَكَةُ هُنَا الزِّيَادَةُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ ، وَقِيلَ : الثَّبَاتُ عَلَى ذَلِكَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : بَرَكَتِ الْإِبِلُ أَيْ ثَبَتَتْ عَلَى الْأَرْضِ ، وَمِنْهُ بَرَكَةُ الْمَاءِ ، وَقِيلَ : التَّزْكِيَةُ وَالتَّطْهِيرُ مِنَ الْعُيُوبِ كُلِّهَا . وَقَوْلُهُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَكْثَرُونَ : لَا يُصَلِّي عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ اسْتِقْلَالًا ، فَلَا يُقَالُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، أَوْ عُمَرَ ، أَوْ عَلِيٍّ ، أَوْ غَيْرِهِمْ ، وَلَكِنْ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ تَبَعًا فَيُقَالُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَزْوَاجِهِ ، وَذُرِّيَّتِهِ ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ : يُصَلَّى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَقِلًّا وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ، وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ بِصَدَقَتِهِمْ صَلَّى عَلَيْهِمْ . قَالُوا : وَهُوَ مُوَافِقُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ وَاحْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّوْقِيفِ ، وَاسْتِعْمَالِ السَّلَفِ ، وَلَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمَالُهُمْ ذَلِكَ بَلْ خَصُّوا بِهِ الْأَنْبِيَاءَ كَمَا خَصُّوا اللَّهَ تَعَالَى بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ ، فَيُقَالُ : قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَالَ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ ، وَتَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَا يُقَالُ : قَالَ النَّبِيُّ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنْ كَانَ عَزِيزًا جَلِيلًا وَلَا نَحْوُ ذَلِكَ ، وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عزَّ وَجَلَّ - هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ وَعَنِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَرَسُولِهِ فَهُوَ دُعَاءٌ وَتَرَحُّمٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِمَا . وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ فَإِنَّمَا جَاءَ عَلَى التَّبَعِ لَا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُقَالُ تَبَعًا لِأَنَّ التَّابِعَ يُحْتَمَلُ فِيهِ مَا لَا يُحْتَمَلُ اسْتِقْلَالًا . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ هَلْ يُقَالُ : هُوَ مَكْرُوهٌ ، أَوْ هُوَ مُجَرَّدُ تَرْكِ أَدَبٍ؟ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ : وَالسَّلَامُ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ بَيْنَهُمَا فَلَا يُفْرَدُ بِهِ غَائِبٌ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءَ فَلَا يُقَالُ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ خِطَابًا لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ، فَيُقَالُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ · ص 94 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم · ص 39 ( 11 ) باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ( 405 ) ( 65 ) [320] - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ : أَمَرَنَا اللهُ تعالى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ ! فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : قُولُوا : اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، فِي الْعَالَمِينَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَالسَّلامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ . ( 406 ) ( 66 ) [321] - وَعَنْ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ : لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ، قَالَ : أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً ؟ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْنَا : قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : قُولُوا : اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . ( 407 ) [322] - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : قُولُوا : اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . ( 408 ) [323] - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا. ( 11 ) ومن باب : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قوله أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله ! فكيف نصلي عليك ؟ ، هذا سؤال من أشكل عليه كيفية ما فُهم جملته ، وذلك أنه عرف الصلاة وتحققها من لسانه إلا أنه لم يعرف كيفيتها ، فأجيب بذلك . وفي قوله أمرنا دليل على أن المندوب يدخل تحت الأمر ، وقد تقدم اشتقاق الصلاة ، وهي مِنَّا دعاء ومن الله تعالى رحمة ومن الملائكة ثناء ، وقد قيل : إن صلاة الله على نبيه هي ثناؤه عليه عند ملائكته . وقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، اختلف في آله من هم ؟ فقيل أتباعه ، وقيل أمَّته ، وقيل آل بيته ، وقيل أتباعه من رهطه وعشيرته ، وقيل آل الرجل نفسه ؛ ولهذا كان الحسن يقول : اللهم صل على آل محمد . واختلف النحويون : هل يضاف الآل إلى الْمُضْمَر أم لا يضاف إلا إلى الظاهر ؟ فذهب النَّحَّاس والزبيدي والكسائي إلى أنه لا يقال إلا : اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، ولا يقال : وآله. قالوا : والصواب وأهله . وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال - منهم ابن السَّيِّد ، وهو الصواب ؛ لأن السماع الصحيح يعضده ، فإنه قد جاء في قول عبد المطلب : لاهم إن العبد يمـ نـــع رحله فامنع حِلالك وانصر على آل الصليـ ــب وعابديه اليوم آلك وقال قدامة : أنا الفارس الحامي حقيقة والدي وآلي كما تحمي حقيقة آلكا وغير ذلك من كلام العرب ، وهو كثير . وقوله وبارك من البركة ، وهي هنا الزيادة من الخير والكرامة ، وأصلها من البروك وهو الثبوت على الشيء ، ومنه : بركت الإبل . ويجوز أن تكون البركة هنا بمعنى التطهير والتزكية ؛ كما قال تعالى : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ثم اختلف أرباب المعاني في فائدة قوله كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم على تأويلات كثيرة ، أظهرها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل ذلك لنفسه وأهل بيته لتتمَّ النعمة عليهم والبركة ، كما أتَمَّها على إبراهيم وآله . وقيل : بل سأل ذلك لأُمَّته ليثابوا على ذلك ، وقيل : ليبقى له ذلك دائمًا إلى يوم الدين ، ويجعل له به لسان صدق في الآخِرين ؛ كما جعله لإبراهيم . وقيل : كان ذلك قبل أن يعرف - عليه الصلاة والسلام - بأنه أفضل ولد آدم . وقيل : بل سأل أن يصلي عليه صلاةً يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، وقد أجابه الله واتّخذه خليلا ؛ كما جاء في الصحيح : لو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الرحمن . وقد جاء أنه حبيب الرحمن - ذكره الترمذي ، فهو الخليل وهو الحبيب . وقد اختلف العلماء أيّهما أشرف ؟ أَوْ هما سواء ؟ واختلف هل يُدعى للنبي - صلى الله عليه وسلم - بغير الصلاة والسلام ، فيقال مثلا : اللهم ارحم محمدًا أو اغفر لمحمد ؟ أَوْ لا يقال ذلك ؟ فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى منع ذلك. وأجاز ذلك أبو محمد بن أبي زيد ، والصحيح جوازه ، فقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة . واختُلف : هل يُصلَّى على غير الأنبياء ، فيقال : اللهم صلّ على فلان ؟ فكره ذلك مالك ؛ لأنه لم يكن مِنْ عمل مَنْ مضى ، بل ذُكر عن مالك رواية شاذّة أنه لا يُصَلَّى على أحدٍ من الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي مُتَأَوَّلة عليه بأنا لم نُتَعبد بالصلاة على غيره من الأنبياء . وذهبت طائفة إلى جواز ذلك على المؤمنين ؛ لقوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وقوله عليه الصلاة والسلام : اللهم صلّ على آل أبي أَوْفَى . وانفصل الفريق الآخر بأن هذا صدر من الله ورسوله ، ولهما أن يقولا ما أرادا بخلاف غيرهما الذي هو محكوم عليه . والذي أراه ما صار إليه مالك ؛ لقوله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا وينضاف إلى ذلك أن أهل البدع قد اتخذوا ذلك شعارًا في الدعاء لأئمتهم وأمرائهم ، ولا يجوز التشبّه بأهل البدع ، والله تعالى أعلم . وقوله والسلام كما قد علمتم رويناه مبنيًا للفاعل وللمفعول ، فالفاعل : هم العالمون ، وللمفعول هم الْمُعَلَّمون من جهته - صلى الله عليه وسلم - بالتشهد وغيره ، ويعني بذلك : قوله في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته .