[ 205 ] 477 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ قَزْعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ . [ 206 ] 478 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ . حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْلِهِ : وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ) أَمَّا قَوْلُهُ : ( أَهْلَ ) فَمَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ رَفْعَهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْتَ أَهْلُ الثَّنَاءِ ، وَالْمُخْتَارُ النَّصْبُ ، وَالثَّنَاءُ : الْوَصْفُ الْجَمِيلُ وَالْمَدْحُ ، وَالْمَجْدُ : الْعَظَمَةُ وَنِهَايَةُ الشَّرَفِ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ ( أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْحَمْدِ ) وَلَهُ وَجْهٌ ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ الْأَوَّلُ . وَقَوْلُهُ : ( أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ( أَحَقُّ ) بِالْأَلِفِ ، ( وَكُلُّنَا ) بِالْوَاوِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ حَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ كُلُّنَا بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَ كَلَامًا صَحِيحًا ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمَعْرُوفَةِ تَقْدِيرُهُ أَحَقُّ قَوْلِ الْعَبْدِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ . . . إِلَى آخِرِهِ وَاعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا . ( وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ ) وَمِثْلُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ اعْتَرَضَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَضَعَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ وَقَوْلُ الْآخَرِ : أَلَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ يَمْلِكَ يُبْقَرَا . وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَإِنَّمَا يُعْتَرَضُ مَا يُعْتَرَضُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَارْتِبَاطِهِ بِالْكَلَامِ السَّابِقِ ، وَتَقْدِيرُهُ هُنَا أَحَقُّ قَوْلِ الْعَبْدِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَقُولَهُ . وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِشَوَاهِدِهَا فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ . وَفِي هَذَا الْكَلَامِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى فَضِيلَةِ هَذَا اللَّفْظِ فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى أَنَّ هَذَا أَحَقُّ مَا قَالَهُ الْعَبْدُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ لِأَنَّ كُلَّنَا عَبْدٌ وَلَا نُهْمِلُهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ أَحَقَّ مَا قَالَهُ الْعَبْدُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْإِذْعَانِ لَهُ وَالِاعْتِرَافِ بِوَحْدَانِيِّتِهِ ، وَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ ، وَأَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مِنْهُ ، وَالْحَثَّ عَلَى الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ . وَقَوْلُهُ : ( ذَا الْجَدِّ ) الْمَشْهُورُ فِيهِ فَتْحُ الْجِيمِ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِالْكَسْرِ ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : هُوَ بِالْفَتْحِ . قَالَ : وَقَالَهُ الشَّيْبَانِيُّ بِالْكَسْرِ . قَالَ : وَهَذَا خِلَافُ مَا عَرَفَهُ أَهْلُ النَّقْلِ . قَالَ : وَلَا يَعْلَمُ مَنْ قَالَهُ غَيْرَهُ وَضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ وَمَنْ بَعْدَهُ الْكَسْرَ ، قَالُوا : وَمَعْنَاهُ عَلَى ضَعْفِهِ الِاجْتِهَادُ أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الِاجْتِهَادِ مِنْكَ اجْتِهَادَهُ ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُ وَيُنْجِيهُ رَحْمَتَكَ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ ذَا الْجَدِّ وَالسَّعْي التَّامِّ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْإِسْرَاعُ فِي الْهَرَبِ أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الْإِسْرَاعِ فِي الْهَرَبِ مِنْكَ هَرَبُهُ فَإِنَّهُ فِي قَبْضَتِكَ وَسُلْطَانِكَ ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْجَدُّ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْحَظُّ وَالْغِنَى وَالْعَظَمَةُ وَالسُّلْطَانُ ، أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْعَظَمَةِ وَالسُّلْطَانِ مِنْكَ حَظُّهُ أَيْ لَا يُنْجِيهُ حَظُّهُ مِنْكَ ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ وَيُنْجِيهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ · ص 145 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع · ص 81 ( 28 ) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع ( 477 ) [375] - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ ، اللهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ . ( 27 و 28 ) ومن باب : ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع قوله في حديث أبي سعيد : ملء السماوات والأرض ، وملء ما شئت من شيء . قال الخطابي : هو تمثيل وتقريب ، والمراد تكثير العدد ، حتى لو قُدِّر ذلك أجسامًا ملأ ذلك كله . وقال غيره : المراد بذلك : التعظيم ؛ كما يقال : هذه الكلمة تملأ طباق الأرض . وقيل : المراد بذلك : أجرها وثوابها ، والله أعلم . وبعد : ظرف قُطِع عن الإضافة مع إرادة المضاف ، وهو السماوات والأرض ، فبني على الضَّمِّ ؛ لأنه أشبه حرف الغاية ؛ الذي هو منذ . والمراد بقوله : من شيء : العرش ، والكرسي ونحوهما ، مما في مقدور الله تعالى ، والله أعلم . وقوله : أهل الثناء والمجد ؛ أي : يا أهلَ الثناء ، فهو منادى مضاف ؛ حُذِف حرفُ ندائه . ورواية الجمهور : الْمجد - بالميم والجيم - ، إلا ابن ماهان فإنه رواها : الحمد . . فأما الْمجد ؛ فهو نهاية الشرف وكثرته ، والماجد : هو الذي يعِدّدُ لنفسه آباء أشرافًا ، ومآثر حسنةً كثيرة ، ومنه قالت العرب : في كل شجر نارْ ، واسْتَمْجَدَ الْمَرْخ والعَفَارْ ؛ أي : كثر في هذين النوعين من الشجر . وقد تقدّم معنى الحمد في أول الكتاب . وقوله : أحقّ ما قال العبد ؛ أي : أوجب وأثبت وأولى . وهو مرفوع بالابتداء ، وخبره : [ اللهم لا مانع لما أعطيت . . إلى آخره : وكلنا لك عبد معترض بين المبتدأ والخبر]. والعبد : جنس العباد العارفين بالله تعالى ، فكأنه قال : أولى ما يقول العباد العارفون بالله تعالى هذه الكلمات ؛ لما تضمنته من تحقيق التوحيد وتمام التفويض ، وصحة التبرّي من الحول والقوة . وقوله : لا ينفع ذا الْجَدّ منك الْجَدّ ، رواه الجمهور بفتح الجيم في اللفظين ، وهو هنا بمعنى : البخت والحظ . ولفظ الجد ينطلق على البخت ، والغنى ، والعظمة ، والسلطان ، وأب الأب . ومعناه : لا ينفع من رُزِق مالا وولدًا أَو جاهًا دنيويًا شيء من ذلك عندك ، وهذا كما قال تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . وحُكي عن الشيباني في الحرفين : كسر الجيم ، وقال : معناه : لا ينفع ذا الاجتهاد والعمل منك اجتهاده وعمله . قال الطبري : وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل ، ولا نُعلم من قاله غيره ، وضعفه . قال غيره : والمعنى الذي أشار إليه الشيباني صحيح ، ومراده : أن العمل لا ينجي صاحبه . وإنما النجاة بفضل الله ورحمته ؛ كما جاء في الحديث : لن ينجي أحدًا منكم عمله . . الحديث .