[9] ( 524 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ يَحْيَى : ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ ، قَالَ : فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا . قَالُوا : لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ . قَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ : كَانَ فِيهِ نَخْلٌ ، وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ ، وَخِرَبٌ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ ، قَالَ : فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً ، قَالَ : فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ فَانْصُرْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ قَوْلُهُ : ( فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ ) ضَبَطْنَاهُ أَمَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ ، وَأُمِرَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( أَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ ) يَعْنِي أَشْرَافَهُمْ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ ) أَيْ بَايِعُونِي . قَوْلُهُ : ( قَالُوا : وَاللَّهِ مَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ) هَذَا الْحَدِيثُ كَذَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، دَفَعَهَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخَرِبٌ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ . قَالَ الْقَاضِي : رُوِّينَاهُ هَكَذَا ، وَرُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَهُوَ مَا تَخَرَّبَ مِنَ الْبِنَاءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَعَلَّ صَوَابُهُ ( خُرَبٌ ) بِضَمِّ الْخَاءِ جَمْعُ خُرْبَةٍ بِالضَّمِّ ، وَهِيَ الْخُرُوقُ فِي الْأَرْضِ ، أَوْ لَعَلَّهُ حَرْفٌ . قَالَ الْقَاضِي : لَا أَدْرِي مَا اضْطَرَّهُ إِلَى هَذَا ، يَعْنِي أَنَّ هَذَا تَكَلُّفٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ صَحِيحُ الْمَعَانِي لَا حَاجَةَ إِلَى تَغْيِيرِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَمَرَ بِقَطْعِ النَّخْلِ لِتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ ، أَمَرَ بِالْخُرَبِ فَرُفِعَتْ رُسُومُهَا ، وَسُوِّيَتْ مَوَاضِعُهَا لِتَصِيرَ جَمِيعُ الْأَرْضِ مبسوطة مستوية لِلْمُصَلِّينَ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِالْقُبُورِ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ) فِيهِ : جَوَازُ قَطْعِ الْأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ لِاسْتِعْمَالِ خَشَبِهَا ، أَوْ لِيَغْرِسَ مَوْضِعَهَا غَيْرَهَا ، أَوْ لِخَوْفِ سُقُوطِهَا عَلَى شَيْءٍ تُتْلِفُهُ ، أَوْ لِاتِّخَاذِ مَوْضِعِهَا مَسْجِدًا ، أَوْ قَطْعِهَا فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ إِذَا لَمْ يُرْجَ فَتْحُهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ نِكَايَةً وَغَيْظًا لَهُمْ ، وَإِضْعَافًا وَإِرْغَامًا . قَوْلُهُ : ( وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ) فِيهِ : جَوَازُ نَبْشِ الْقُبُورِ الدَّارِسَةِ ، وَأَنَّهُ إِذَا أُزِيلَ تُرَابُهَا الْمُخْتَلَطُ بِصَدِيدِهِمْ وَدِمَائِهِمْ جَازَتِ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ ، وَجَوَازُ اتِّخَاذِ مَوْضِعِهَا مَسْجِدًا إِذَا طُيِّبَتِ أَرْضُهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا الْمَوْتَى وَدُرِسَتْ يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ إِذَا لَمْ تُوقَفْ . قَوْلُهُ : ( وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً ) الْعِضَادَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ هِيَ جَانِبُ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ ) فِيهِ جَوَازُ الِارْتِجَازِ وَقَوْلُ الْأَشْعَارِ فِي حَالِ الْأَعْمَالِ وَالْأَسْفَارِ وَنَحْوِهَا ؛ لِتَنْشِيطِ النُّفُوسِ وَتَسْهِيلِ الْأَعْمَالِ وَالْمَشْيِ عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرُوضِ وَالْأَدَبِ فِي الرَّجَزِ هَلْ هُوَ شِعْرٌ أَمْ لَا ؟ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشِّعْرَ لَا يَكُونُ شِعْرًا إِلَّا بِالْقَصْدِ ، أَمَّا إِذَا جَرَى كَلَامٌ مَوْزُونٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَلَا يَكُونُ شِعْرًا . وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشِّعْرَ حَرَامٌ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 180 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم · ص 120 ( 40 ) باب ابتناء مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 524 ) ( 9 ) [418] - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ قَالَ : فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ ، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ ، قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا ، فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا ، قَالُوا : لا وَاللَّهِ ! لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ عَز وجَل . قَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ ، كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ . فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ . قَالَ : فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً لَهُ ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً ، قَالَ : فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُمْ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَهْ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ ( 40 ) ومن باب : ابتناء مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - الملأ : أشراف القوم وساداتهم . سُمّوا بذلك ؛ لأنهم أَمْلِيَاء بالرأي والغِنَى . وبنو النجار قبيلة من الأنصار ، وهم أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك : أن هاشِمًا تزوج امرأة من بني النجار تُسَمَّى : سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النّجار ، فولدت له عبد المطلب بن هاشم ، فمن هنا كانوا أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم . وقوله : ثامنوني بحائطكم ؛ أي : اطلبوا ثمنه ، وبايعوني به . والحائط : بستان النخل . فقالوا : لا والله ما نطلب ثمنه إلا لله - عزّ وجلّ - ، وهذا ينص على أنهم لم يأخذوا منه ثمنًا ، وإنما وهبوه للنبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد ذكر محمد بن سعد في تاريخه الكبير عن الواقدي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتراه من بني عَفْراء بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق ، فإن صحّ هذا فلم يقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بالثمن ؛ لأنه كان ليتيمين ، وفي هذا دليل على لزوم بناء المساجد في القرى التي يُسْتوطن بها ؛ لأجل الجمعة ، ولإظهار شعائر الإسلام . وقوله : وكانت فيه نخل وقبور المشركين وخِرَب ، رُوي بفتح الخاء وكسر الراء : جمع خَرِبة ؛ مثل : كَلِمَة وكَلِم ، وبكسر الخاء وفتح الراء : جمع خِرْبة بسكون الراء ، لغتان فيما يخرب من البناء ، والثانية لتميم ، هذا هو الصحيح في الرواية والمعنى . وقد فسَّره حيث قال : وبالخِرَب فسُوِّيتْ . وقد استبعد الخطابي ذلك المعنى ، وأخذ يقدِّر اللفظ تقديرات ، فقال : لعل الصواب : خُرَب : جمع خُرْبة ؛ وهي الخروق في الأرض ، أو لعلَّها : جرْف جمع : جِرَفَةٍ ، وهي جمع جرف . قال : وأبينُ منه إنْ ساعدت الرواية - : حَدَبٌ جمع حَدَبَةٌ ؛ وهي ما ارتفع من الأرض . وهذا منه تكلّف لا يحتاج إليه مع صحة الرواية والمعنى كما قدّمناه ، وفيه دليل على جواز قطع المثمر من الشجر إذا احتيج إليه ؛ من نكاية في عدو ، وإزالة ضرر ، أو ما يخاف منه . وقوله : وبقبور المشركين فنبشت ؛ إنما نبش قبورهم ؛ لأنهم لا حرمة لهم . فإن قيل : كيف جاز نبشهم وإخراجهم من قبورهم ، والقبر مختص بمن دفن فيه ، مُحَتبس عليه ، قد حازه الميت ، فلا يجوز بيعه ، ولا نقله عنه ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن تلك القبور لم تكن أملاكًا لمن دفن فيها ، بل لعلها غصب ، ولذلك باعها مُلاَّكُها . الثاني : على تسليم أنها حُبست ، فذلك إنما يلزم في تحبيس المسلمين ، أما تحبيس الكفار فلا ؛ إذ لا يصح منهم التقرب إلى الله تعالى ، لا يقال : فهذا العتق يلزمهم إذا رفعوا أيديهم عن المعتق ، لأنا نقول في العتق : إنه أمر عظيم يتشوّف الشرع إليه ما لم يتشوّف للحبس ولا لغيره ، ولأنه تعلق به حقٌّ لآدمي ، فجرى ذلك مجرى هِباتهم وأعطياتهم اللازمة . ويمكن أن يقال : دعت الحاجة والضرورة إلى النبش فجاز . وقد اختلف في نبش قبور الكفار لطلب مال ، فكرهه مالك ؛ لأنها مواضع سخط وعذاب ؛ فلا تدخل ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : لا تدخلوا بيوت هؤلاء المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم . فمن دخلها لطلب الدنيا كان بضد ذلك . وأجازه جماعة من أصحاب مالك محتجِّين بأن الصحابة نَبَشَتْ قبر أبي رِغَال ، واستخرجت منه قضيب الذهب الذي أعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مدفون معه . واتخاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - مسجده في تلك البقعة دليل على أن القبور إذا لم يبق منها ولا من الموتى فيها بقية جازت الصلاة فيها . واختلف العلماء في جواز الصلاة في المقابر جملة ؛ فأجازه مالك وأكثر أصحابه - وإن كان القبر بين يديه - ، وهو مذهب الحسن البصري والشافعي وآخرين . وروي أيضا عن مالك الكراهة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وجماعة من السلف . وحكى العراقيون عن المذهب : كراهية الصلاة في القديمة دون الجديدة . وقد كره العلماء الصلاة في مقابر المشركين بكل حال ، وعليه تأوّل أكثرهم النهي عن الصلاة في المقبرة ؛ قالوا : لأنها حفرة من حفر النار ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الجنائز . وفي بنائه - صلى الله عليه وسلم - مسجده بالجذوع والجريد دليل على ترك الزخرفة في المساجد والتأنق فيها ، والإسراف . بل قد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يقتضي النهي عن زخرفتها وتشييدها ، فقال : ما أُمِرْتُ بتشييد المساجد ، قال : لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى . وقوله : فكانوا يرتجزون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم ؛ اختلف أصحاب العَروض وعلم الشعر في أعاريض الرَّجَز هل هي من الشعر ؟ والصحيح أنه من الشعر ؛ لأن الشعر هو كلام موزون تُلْتَزَم فيه قوافٍ ، والرَّجَزُ كذلك . وأيضًا : فإن قريشًا لما اجتمعوا وتراؤوا فيما يقولون للناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال قائل : نقول : هو شاعر ، فقالوا : والله لتكذبنّكم العربُ ؛ قد عرفنا الشعر كلّه ، هزجه ، ورجزه ، ومقبوضه ، ومبسوطه ، فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر ، وإنما أخرجه من جنس الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه ، فقال : لو كان شعرًا لما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الله تعالى قال : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وهذا ليس بشيء ؛ لأن من أنشد القليل من الشعر ، أو قاله ، أو تمثل به على الندور ، لم يستحق به اسم الشاعر ، ولا يقال فيه : إنه تعلم الشعر ، ولا ينسب إليه ، ولو كان ذلك للزم أن يقال على الناس كلهم : شعراء ، ويعلمون الشعر ؛ لأنهم لا يَخْلَوْنَ أن يعرفوا كلامًا موزونًا مرتبطًا على أعاريض الشعر . ثم قوله : كانوا يرتجزون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم ، ليس فيه دليل راجح على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان المنشد ، بل الظاهر منهم أنهم هم كانوا المرتجزين ، وبحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن الواو للحال ، ورسول : مبتدأ ، ومعهم : الخبر . والجملة في موضع الحال ، هذا الظاهر ، ويحتمل أن يكون معطوفًا على المضمر في : يرتجزون ، والله تعالى أعلم . وهذا الحديث وشِبْهُهُ يُستدلّ به على جواز إنشاد الشعر ، والاستعانة بذلك على الأعمال والتنشيط . ومن هنا أخذت الصوفية إباحة السماع ، غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك ، وتعدَّوا فيه الوجه الجائز ، وتذرّعوا بذلك إلى استباحة المحرمات من أصناف الملاهي ؛ كالشبابات ، والطارات ، والرقص ، وغير ذلك . وهذه أفعال الْمُجَّان أهل البطالة والفسوق الْمُدْخِلين في الشريعة ما ليس منها ، أعاذنا الله من ذلك بمنه . وقوله : كان يصلي في مرابض الغنم ؛ حجة لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه ، وقد قدّمنا ذلك .