باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم
) باب ابتناء مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 524 ) ( 9 ) [418] - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ قَالَ : فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ ، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ ، قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا ، فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا ، قَالُوا : لا وَاللَّهِ ! لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ عَز وجَل . قَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ ، كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ . فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ .
قَالَ : فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً لَهُ ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً ، قَالَ : فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُمْ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَهْ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ ( 40 ) ومن باب : ابتناء مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - الملأ : أشراف القوم وساداتهم . سُمّوا بذلك ؛ لأنهم أَمْلِيَاء بالرأي والغِنَى . وبنو النجار قبيلة من الأنصار ، وهم أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك : أن هاشِمًا تزوج امرأة من بني النجار تُسَمَّى : سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النّجار ، فولدت له عبد المطلب بن هاشم ، فمن هنا كانوا أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم .
وقوله : ثامنوني بحائطكم ؛ أي : اطلبوا ثمنه ، وبايعوني به . والحائط : بستان النخل . فقالوا : لا والله ما نطلب ثمنه إلا لله - عزّ وجلّ - ، وهذا ينص على أنهم لم يأخذوا منه ثمنًا ، وإنما وهبوه للنبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد ذكر محمد بن سعد في تاريخه الكبير عن الواقدي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتراه من بني عَفْراء بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق ، فإن صحّ هذا فلم يقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بالثمن ؛ لأنه كان ليتيمين ، وفي هذا دليل على لزوم بناء المساجد في القرى التي يُسْتوطن بها ؛ لأجل الجمعة ، ولإظهار شعائر الإسلام . وقوله : وكانت فيه نخل وقبور المشركين وخِرَب ، رُوي بفتح الخاء وكسر الراء : جمع خَرِبة ؛ مثل : كَلِمَة وكَلِم ، وبكسر الخاء وفتح الراء : جمع خِرْبة بسكون الراء ، لغتان فيما يخرب من البناء ، والثانية لتميم ، هذا هو الصحيح في الرواية والمعنى . وقد فسَّره حيث قال : وبالخِرَب فسُوِّيتْ .
وقد استبعد الخطابي ذلك المعنى ، وأخذ يقدِّر اللفظ تقديرات ، فقال : لعل الصواب : خُرَب : جمع خُرْبة ؛ وهي الخروق في الأرض ، أو لعلَّها : جرْف جمع : جِرَفَةٍ ، وهي جمع جرف . قال : وأبينُ منه إنْ ساعدت الرواية - : حَدَبٌ جمع حَدَبَةٌ ؛ وهي ما ارتفع من الأرض . وهذا منه تكلّف لا يحتاج إليه مع صحة الرواية والمعنى كما قدّمناه ، وفيه دليل على جواز قطع المثمر من الشجر إذا احتيج إليه ؛ من نكاية في عدو ، وإزالة ضرر ، أو ما يخاف منه .
وقوله : وبقبور المشركين فنبشت ؛ إنما نبش قبورهم ؛ لأنهم لا حرمة لهم . فإن قيل : كيف جاز نبشهم وإخراجهم من قبورهم ، والقبر مختص بمن دفن فيه ، مُحَتبس عليه ، قد حازه الميت ، فلا يجوز بيعه ، ولا نقله عنه ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن تلك القبور لم تكن أملاكًا لمن دفن فيها ، بل لعلها غصب ، ولذلك باعها مُلاَّكُها . الثاني : على تسليم أنها حُبست ، فذلك إنما يلزم في تحبيس المسلمين ، أما تحبيس الكفار فلا ؛ إذ لا يصح منهم التقرب إلى الله تعالى ، لا يقال : فهذا العتق يلزمهم إذا رفعوا أيديهم عن المعتق ، لأنا نقول في العتق : إنه أمر عظيم يتشوّف الشرع إليه ما لم يتشوّف للحبس ولا لغيره ، ولأنه تعلق به حقٌّ لآدمي ، فجرى ذلك مجرى هِباتهم وأعطياتهم اللازمة .
ويمكن أن يقال : دعت الحاجة والضرورة إلى النبش فجاز . وقد اختلف في نبش قبور الكفار لطلب مال ، فكرهه مالك ؛ لأنها مواضع سخط وعذاب ؛ فلا تدخل ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : لا تدخلوا بيوت هؤلاء المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم . فمن دخلها لطلب الدنيا كان بضد ذلك .
وأجازه جماعة من أصحاب مالك محتجِّين بأن الصحابة نَبَشَتْ قبر أبي رِغَال ، واستخرجت منه قضيب الذهب الذي أعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مدفون معه . واتخاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - مسجده في تلك البقعة دليل على أن القبور إذا لم يبق منها ولا من الموتى فيها بقية جازت الصلاة فيها . واختلف العلماء في جواز الصلاة في المقابر جملة ؛ فأجازه مالك وأكثر أصحابه - وإن كان القبر بين يديه - ، وهو مذهب الحسن البصري والشافعي وآخرين .
وروي أيضا عن مالك الكراهة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وجماعة من السلف . وحكى العراقيون عن المذهب : كراهية الصلاة في القديمة دون الجديدة . وقد كره العلماء الصلاة في مقابر المشركين بكل حال ، وعليه تأوّل أكثرهم النهي عن الصلاة في المقبرة ؛ قالوا : لأنها حفرة من حفر النار ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الجنائز .
وفي بنائه - صلى الله عليه وسلم - مسجده بالجذوع والجريد دليل على ترك الزخرفة في المساجد والتأنق فيها ، والإسراف . بل قد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يقتضي النهي عن زخرفتها وتشييدها ، فقال : ما أُمِرْتُ بتشييد المساجد ، قال : لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى . وقوله : فكانوا يرتجزون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم ؛ اختلف أصحاب العَروض وعلم الشعر في أعاريض الرَّجَز هل هي من الشعر ؟ والصحيح أنه من الشعر ؛ لأن الشعر هو كلام موزون تُلْتَزَم فيه قوافٍ ، والرَّجَزُ كذلك .
وأيضًا : فإن قريشًا لما اجتمعوا وتراؤوا فيما يقولون للناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال قائل : نقول : هو شاعر ، فقالوا : والله لتكذبنّكم العربُ ؛ قد عرفنا الشعر كلّه ، هزجه ، ورجزه ، ومقبوضه ، ومبسوطه ، فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر ، وإنما أخرجه من جنس الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه ، فقال : لو كان شعرًا لما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الله تعالى قال : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وهذا ليس بشيء ؛ لأن من أنشد القليل من الشعر ، أو قاله ، أو تمثل به على الندور ، لم يستحق به اسم الشاعر ، ولا يقال فيه : إنه تعلم الشعر ، ولا ينسب إليه ، ولو كان ذلك للزم أن يقال على الناس كلهم : شعراء ، ويعلمون الشعر ؛ لأنهم لا يَخْلَوْنَ أن يعرفوا كلامًا موزونًا مرتبطًا على أعاريض الشعر . ثم قوله : كانوا يرتجزون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم ، ليس فيه دليل راجح على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان المنشد ، بل الظاهر منهم أنهم هم كانوا المرتجزين ، وبحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن الواو للحال ، ورسول : مبتدأ ، ومعهم : الخبر . والجملة في موضع الحال ، هذا الظاهر ، ويحتمل أن يكون معطوفًا على المضمر في : يرتجزون ، والله تعالى أعلم .
وهذا الحديث وشِبْهُهُ يُستدلّ به على جواز إنشاد الشعر ، والاستعانة بذلك على الأعمال والتنشيط . ومن هنا أخذت الصوفية إباحة السماع ، غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك ، وتعدَّوا فيه الوجه الجائز ، وتذرّعوا بذلك إلى استباحة المحرمات من أصناف الملاهي ؛ كالشبابات ، والطارات ، والرقص ، وغير ذلك . وهذه أفعال الْمُجَّان أهل البطالة والفسوق الْمُدْخِلين في الشريعة ما ليس منها ، أعاذنا الله من ذلك بمنه .
وقوله : كان يصلي في مرابض الغنم ؛ حجة لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه ، وقد قدّمنا ذلك .