[23] ( 532 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ : إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ ) هُوَ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ . . . إِلَى آخِرِهِ ) مَعْنَى أَبْرَأُ : أَيْ أَمْتَنِعُ مِنْ هَذَا وَأُنْكِرُهُ . وَ( الْخَلِيلُ ) هُوَ الْمُنْقَطِعُ إِلَيْهِ ، وَقِيلَ الْمُخْتَصُّ بِشَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ . قِيلَ : هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ ( الْخَلَّةِ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهِيَ الْحَاجَةُ ، وَقِيلَ مِنَ ( الْخُلَّةِ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ تُخَلِّلُ الْمَوَدَّةَ فِي الْقَلْبِ ، فَنَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَكُونَ حَاجَتُهُ وَانْقِطَاعُهُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقِيلَ : الْخَلِيلُ مَنْ لَا يتسمع الْقَلْبُ لِغَيْرِهِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَقَبْرِ غَيْرِهِ مَسْجِدًا خَوْفًا مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ وَالِافْتِتَانِ بِهِ ، فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْكُفْرِ كَمَا جَرَى لِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ . وَلَمَا احْتَاجَتِ الصَّحَابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ ، وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَدْفِنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بَنَوْا عَلَى الْقَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَوْلَهُ لِئَلَّا يَظْهَرَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَيُصَلِّيَ إِلَيْهِ الْعَوَامُّ وَيُؤَدِّي الْمَحْذُورَ ، ثُمَّ بَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيِ الْقَبْرِ الشَّمَالِيَّيْنِ ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى الْتَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ : لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِيهَا وَالنَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ · ص 185 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة · ص 129 ( 532 ) [424] - وَعَنْ جُنْدَبِ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ ، وَهُوَ يَقُولُ : إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا ، أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ . وقوله في حديث جندب : إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ؛ أي : أبعد عن هذا وأنقطع عنه . وإنما كان ذلك ؛ لأن قلبه - صلى الله عليه وسلم - قد امتلأ بما تخلله من محبة الله تعالى وتعظيمه ، فلا يتسع لمخالّة غيره ، أو لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد انقطع بحاجاته كلها إلى الله ، ولجأ إليه في سدِّ خلاّته ، فكفاه ووقاه ، فلا يحتاج إلى أحد من المخلوقين ، وقد تقدم القول في الخلّة والخليل . وقوله : لو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ؛ هذا يدل على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه مخصوص من منح الله ، ومن كريم مواهبه ، ومن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له ؛ بما ليس لأحد من بعده ، وهذا مذهب أهل السنة أجمعين ؛ من السلف الماضين والخلف اللاحقين .