[39] ( 541 ) - حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّهُ فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ أَوْ كُلُّكُمْ ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا . وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ ، ح . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُهُ فَذَعَتُّهُ ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ فَدَعَتُّهُ . 8 - بَاب جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ ، وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ قَوْلُهُ : ( إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي ) هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ ( يَفْتِكُ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : ( تَفَلَّتَ ) وَهُمَا صَحِيحَانِ . وَالْفَتْكُ : الْأَخْذُ فِي غَفْلَةٍ وَخَدِيعَةٍ . وَالْعِفْرِيتُ : الْعَاتِي الْمَارِدُ مِنَ الْجِنِّ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَذَعَتُّهُ ) هُوَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ خَنَقْتُهُ . قَالَ مُسْلِمٌ : وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ( فَدَعَتُّهُ ) يَعْنِي بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَمَعْنَاهُ دَفَعْتُهُ شَدِيدًا . وَالدَّعْتُ وَالدَّعُّ : الدَّفْعُ الشَّدِيدُ ، وَأَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ الْمُهْمَلَةَ ، وَقَالَ : لَا تَصِحُّ ، وَصَحَّحَهَا غَيْرُهُ وَصَوَّبُوهَا ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُعْجَمَةُ أَوْضَحَ وَأَشْهَرَ . وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ أَوْ كُلُّكُمْ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ مَوْجُودُونَ ، وَأَنَّهُمْ قَدْ يَرَاهُمْ بَعْضُ الْآدَمِيِّينَ . وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ ، فَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَتُهُمْ مُحَالًا لَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَ مِنْ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ ، وَمِنْ أَنَّهُ كَانَ يَرْبِطُهُ لِيَنْظُرُوا كُلُّهُمْ إِلَيْهِ ، وَيَلْعَبَ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّ رُؤْيَتَهُمْ عَلَى خَلْقِهِمْ وَصُوَرِهِمُ الْأَصْلِيَّةِ مُمْتَنِعَةٌ ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَمَنْ خُرِقَتْ لَهُ الْعَادَةُ ، وَإِنَّمَا يَرَاهُمْ بَنُو آدَمَ فِي صُوَرٍ غَيْرِ صُوَرِهِمْ ، كَمَا جَاءَ فِي الْآثَارِ . قُلْتُ : هَذِهِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لَهَا مُسْتَنَدٌ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ : الْجِنُّ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ رُوحَانِيَّةٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَصَوَّرَ بِصُورَةٍ يُمْكِنُ رَبْطُهُ مَعَهَا ، ثُمَّ يَمْتَنِعُ مِنْ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَأَتَّى اللَّعِبُ بِهِ ، وَإِنْ خُرِقَتِ الْعَادَةُ أَمْكَنَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ صَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ) قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذَا فَامْتَنَعَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَبْطِهِ ، إِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ لَمَّا تَذَكَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَاطَ ذَلِكَ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَوْ تَوَاضُعًا وَتَأَدُّبًا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا ) أَيْ ذَلِيلًا صَاغِرًا مَطْرُودًا مُبْعَدًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ) يَعْنِي قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، فَخَالَفَ رِوَايَةَ رَفِيقِهِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّابِقَةَ فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَالَ : شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، وَقَالَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ، شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ . وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ، مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ · ص 196 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة ولعن الشيطان · ص 150 ( 541 ) [434] - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ ، فَذَعَتُّهُ ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا َتَنْظُرُون إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ ( أَوْ كُلُّكُمْ ) ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا . وَفِي رِوَايَةٍ : فَدَعَتُّهُ . وقوله : إن عفريتًا جعل يفتك عليّ البارحة ؛ العفريت : المارد من الجن الشديد ، ومنه : رجل عِفْرِيت ؛ أي : شديد الدَّهاء والمكر والحيلة . هكذا صحّ في كتاب مسلم : يَفْتِك ؛ ومعناه : يغفله عن الصلاة ويشغله . وأصل الفَتْك : القتل على غفلة وغِرَّة ، ومنه : قوله - صلى الله عليه وسلم - : الإيمان قَيَّد الفَتْك . وهكذا مجيء الشيطان للمصلي على غفلة وغرَّة ، وذكره البخاري . وقال : تَفَلَّت عليّ البارحة ، وهو أيضًا صحيح ؛ أي : جاءني على غفلة وفلتة وغرة وفُجأَةٍ ، ومنه : قيل : افتلتت نفسه ؛ أي : مات على فجأةٍ . والفَلْتَةُ : الأمرُ يُؤْتى على غير رَوِيَّة . وقوله : فَذَعَتُّهُ بالذال المعجمة ؛ أي : خنقته . قال الهروي : وفي رواية ابن أبي شيبة بالدال المهملة ، وهما بمعنى واحد ، وأنكره الخطابي ، وقال : لأن أصله يكون : دَعَتُه ، ولا يصح إدغام العين في التاء . قال ابن دريد : ذَعَتَه ، يَذْعَتُه ، ذعْتًا : غَمَزَهُ غمزًا شديدًا . والدَّعَتُ مهملا : الدفع الشديد ، ويقال بالذال المعجمة . وقوله : لقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد . يحتمل أن يقال : إن هذا الذي همَّ به كان يكون شغلا يسيرًا ، ويحتمل أن يكون يربطه بعد تمام الصلاة . وقوله : فردّه الله خاسئًا ؛ أي : ذليلا مدحورًا ؛ من خَسَأْت الكلب : إذا زَجَرْته وطَرَدته .