[40] ( 542 ) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ، ثُمَّ قَالَ : أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ ثَلَاثًا ، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ : إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قُلْتُ : أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ ) قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ تَسْمِيَتُهَا تَامَّةً ، أَيْ لَا نَقْصَ فِيهَا ، وَيَحْتَمِلُ الْوَاجِبَةُ لَهُ الْمُسْتَحَقَّةُ عَلَيْهِ ، أَوِ الْمُوجِبَةُ عَلَيْهِ الْعَذَابَ سَرْمَدًا . وَقَالَ الْقَاضِي : وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ) دَلِيلُ لجَوَازِ الدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ ، خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِذَاكَ ، قُلْتُ : وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ كَقَوْلِهِ لِلْعَاطِسِ : رَحِمَكَ اللَّهُ ، أَوْ يَرْحَمُكَ ، وَلِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَأَشْبَاهُهُ ، وَالْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي تُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا ، فَيُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ ؛ لِتَفْخِيمِ مَا يُخْبِرُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَتَعْظِيمِهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي صِحَّتِهِ وَصِدْقِهِ . وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ بِمِثْلِ هَذَا . وَالْوِلْدَانُ الصِّبْيَانُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ · ص 198 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة ولعن الشيطان · ص 148 ( 542 ) [433] - وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ، ثُمَّ قَالَ : أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ . ثَلاثًا ، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ . قَالَ : إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي ، فَقُلْتُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - ، ثُمَّ قُلْتُ : أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَرَدْتُ أخُذَهُ ، وَاللَّهِ لَوْلا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ الْمَدِينَةِ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بالله منك ؛ أي : أَسْتَتِرُ وألتجئ في كفايته إياي منك . ومنه سُمِّي العود الذي يَلْجَأ إليه الغُثَاء في السيل : عَوْذا ؛ لأن الغثاء يلجأ إليه . وقوله : ألعنك بلعنة الله التامة ، أصل اللعن : الطرد والبعد ، ومعناه : أسأل الله أن يلعنه بلعنته . والتامَّة يحتمل وجهين : أحدهما : أنها الكاملة التي لا ينقصُ منها شيء . والثاني : المستحقّة الواجبة ، كما قال : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا ؛ أي : حَقَّتْ ووجبتْ ، ولم يقصد مخاطبة الشيطان ؛ لأنه كان يكون متكلمًا في الصلاة ، وإنما كان متعوذًا بالله ؛ كما قال : أعوذ بالله منك . قوله : ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان المدينة . يدل على أن مُلْكَ الجن والتصرُّفَ فيهم بالقهر مما خصّ به سليمان ، وسبب خصوصيته : دعوته التي استجيبتْ له ، حيث قال : وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ولما تحقق النبي - صلى الله عليه وسلم - الخصوصية ، امتنع من تعاطي ما هَمَّ به من أخذ الجني وربطه. فإن قيل : كيف يتأَتَى ربطه وأخذه واللعب به ، مع كون الجن أجسامًا لطيفة روحانية ؟ قلنا : كما تَأَتَى ذلك لسليمان - عليه السلام - ؛ حيث جعل الله له منهم كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ولا شك أن الله تعالى أوجدهم على صورٍ تَخُصُّهم ، ثم مكّنهم من التشكل في صور مختلفة ، فيتمثلون في أي صورة شاؤوا ، أو شاء الله ، وكذلك فعل الله بالملائكة كما قال تعالى : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا وقال - صلى الله عليه وسلم - : . وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني ، فيجوز أن يُمَكِّن الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من هذا الجنِّي ، مع بقاء الجنِّي على صورته التي خُلق عليها ، فيوثقه كما كان سليمان - عليه السلام - يوثقهم ، ويرفع الموانع عن أبصار الناس ، فيرونه موثقًا حتى يلعب به الغلمان . ويجوز أن يشكِّله الله تعالى في صورة جسميِّةٍ محسوسة ، فيربطه ويُلعب به ، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها ، حتى يفعل الله ما همّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجن . وقوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ؛ إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم ، والله تعالى أعلم .