باب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة ولعن الشيطان
( 542 ) [433] - وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ، ثُمَّ قَالَ : أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ . ثَلاثًا ، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ . قَالَ : إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي ، فَقُلْتُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - ، ثُمَّ قُلْتُ : أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَرَدْتُ أخُذَهُ ، وَاللَّهِ لَوْلا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ الْمَدِينَةِ .
ج٢ / ص١٤٩وقوله - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بالله منك ؛ أي : أَسْتَتِرُ وألتجئ في كفايته إياي منك . ومنه سُمِّي العود الذي يَلْجَأ إليه الغُثَاء في السيل : عَوْذا ؛ لأن الغثاء يلجأ إليه . وقوله : ألعنك بلعنة الله التامة ، أصل اللعن : الطرد والبعد ، ومعناه : أسأل الله أن يلعنه بلعنته .
والتامَّة يحتمل وجهين : أحدهما : أنها الكاملة التي لا ينقصُ منها شيء . والثاني : المستحقّة الواجبة ، كما قال : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا ؛ أي : حَقَّتْ ووجبتْ ، ولم يقصد مخاطبة الشيطان ؛ لأنه كان يكون متكلمًا في الصلاة ، وإنما كان متعوذًا بالله ؛ كما قال : أعوذ بالله منك . قوله : ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان المدينة .
يدل على أن مُلْكَ الجن والتصرُّفَ فيهم بالقهر مما خصّ به سليمان ، وسبب خصوصيته : دعوته التي استجيبتْ له ، حيث قال : وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ج٢ / ص١٥٠ولما تحقق النبي - صلى الله عليه وسلم - الخصوصية ، امتنع من تعاطي ما هَمَّ به من أخذ الجني وربطه . فإن قيل : كيف يتأَتَى ربطه وأخذه واللعب به ، مع كون الجن أجسامًا لطيفة روحانية ؟ قلنا : كما تَأَتَى ذلك لسليمان - عليه السلام - ؛ حيث جعل الله له منهم كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ولا شك أن الله تعالى أوجدهم على صورٍ تَخُصُّهم ، ثم مكّنهم من التشكل في صور مختلفة ، فيتمثلون في أي صورة شاؤوا ، أو شاء الله ، وكذلك فعل الله بالملائكة كما قال تعالى : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا وقال - صلى الله عليه وسلم - : . وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني ، فيجوز أن يُمَكِّن الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من هذا الجنِّي ، مع بقاء الجنِّي على صورته التي خُلق عليها ، فيوثقه كما كان سليمان - عليه السلام - يوثقهم ، ويرفع الموانع عن أبصار الناس ، فيرونه موثقًا حتى يلعب به الغلمان .
ويجوز أن يشكِّله الله تعالى في صورة جسميِّةٍ محسوسة ، فيربطه ويُلعب به ، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها ، حتى يفعل الله ما همّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجن . وقوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ؛ إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم ، والله تعالى أعلم .