201 - 771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ، وَإِذَا رَكَعَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَإِذَا رَفَعَ قَالَ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ وَإِذَا سَجَدَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ 202 - وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ح ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَمِّهِ الْمَاجِشُونِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ : وَجَّهْتُ وَجْهِي وَقَالَ : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ : وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَقَالَ : وَصَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ وَقَالَ : وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ ) هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ أَبْيَضُ الْوَجْهِ مُوَرَّدُهُ ، لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ . قَوْلُهُ : ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ) أَيْ قَصَدْتُ بِعِبَادَتِي لِلَّذِي ( فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) أَيِ ابْتَدَأَ خَلْقَهُمَا . قَوْلُهُ : ( حَنِيفًا ) قَالَ الْأَكْثَرُونَ : مَعْنَاهُ : مَائِلًا إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِسْلَامُ . وَأَصْلُ الْحَنَفِ الْمَيْلُ وَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَيَتَصَرَّفُ إِلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْقَرِينَةُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْحَنِيفِ هُنَا الْمُسْتَقِيمُ . قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْحَنِيفُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَانْتَصَبَ حَنِيفًا عَلَى الْحَالِ أَيْ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ فِي حَالِ حَنِيفِيَّتِي . وَقَوْلُهُ : ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) بَيَانٌ لِلْحَنِيفِ وَإِيضَاحٌ لِمَعْنَاهُ ، وَالْمُشْرِكُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ كَافِرٍ مِنْ عَابِدِ وَثَنٍ وَصَنَمٍ وَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وَزِنْدِيقٍ وَغَيْرِهِمْ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : النُّسُكُ الْعِبَادَةُ ، وَأَصْلُهُ مِنَ النَّسِيكَةِ وَهِيَ الْفِضَّةُ الْمُذَابَةُ الْمُصَفَّاةُ مِنْ كُلِّ خَلْطٍ . وَالنَّسِيكَةُ أَيْضًا كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ) أَيْ حَيَاتِي وَمَوْتِي ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ فِيهِمَا وَإِسْكَانُهَا وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى فَتْحِ يَاءِ مَحْيَايَ وَإِسْكَانِ مَمَاتِي . قَوْلُهُ : ( لِلَّهِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذِهِ لَامُ الْإِضَافَةِ ، وَلَهَا مَعْنَيَانِ الْمِلْكُ وَالِاخْتِصَاصُ وَكِلَاهُمَا مُرَادٌ . قَوْلُهُ : ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) فِي مَعْنَى ( رَبِّ ) أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ : الْمَالِكُ ، وَالسَّيِّدُ ، وَالْمُدَبِّرُ ، وَالْمُرَبِّي . فَإِنْ وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَبٍّ لِأَنَّهُ مَالِكٌ أَوْ سَيِّدٌ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ ، وَإِنْ وُصِفَ لِأَنَّهُ مُدَبِّرُ خَلْقِهِ وَمُرَبِّيهِمْ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ ، وَمَتَى دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَقِيلَ : ( الرَّبُّ ) اخْتُصَّ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَإِذَا حُذِفَتَا جَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، فَيُقَالُ : رَبُّ الْمَالِ ، وَرَبُّ الدَّارِ وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَالْعَالَمُونَ جَمْعُ عَالَمٍ وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ وَاحِدٍ مِنْ لَفْظِهِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَتِهِ فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ : الْعَالَمُ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ : هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، وَزَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ : الشَّيَاطِينُ ، وَقِيلَ : بَنُو آدَمَ خَاصَّةً . قَالَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ وَأَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ ، وَقَالَ الْآخَرُونَ : هُوَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . ثُمَّ قِيلَ : هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَلَامَةِ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ صَانِعِهِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْعِلْمِ فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ بِالْعُقَلَاءِ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ ) أَيِ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا عَبْدُكَ ) أَيْ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّكَ مَالِكِي وَمُدَبِّرِي وَحُكْمُكَ نَافِذٌ فِيَّ . قَوْلُهُ : ( ظَلَمْتُ نَفْسِي ) أَيِ اعْتَرَفْتُ بِالتَّقْصِيرِ قَدَّمَهُ عَلَى سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ أَدَبًا كَمَا قَالَ آدَمُ وَحَوَّاءُ : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَوْلُهُ : ( اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ ) أَيْ أَرْشِدْنِي لِصَوَابِهَا وَوَفِّقْنِي لِلتَّخَلُّقِ بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا ) أَيْ قَبِيحَهَا . قَوْلُهُ : ( لَبَّيْكَ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكِ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ ، يُقَالُ : لَبَّ بِالْمَكَانِ لَبًّا ، وَأَلَبَّ إِلْبَابًا أَيْ أَقَامَ بِهِ ، وَأَصْلُ ( لَبَّيْكَ ) لَبَّيْنَ فَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ . قَوْلُهُ : ( وَسَعْدَيْكَ ) قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ : مَعْنَاهُ مُسَاعَدَةً لِأَمْرِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَمُتَابَعَةً لِدِينِكَ بَعْدَ مُتَابَعَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : فِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى الْأَدَبِ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَدْحِهِ بِأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ مَحَاسِنُ الْأُمُورِ دُونَ مَسَاوِيهَا عَلَى جِهَةِ الْأَدَبِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) فَمِمَّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ الْمُحْدَثَاتِ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقُهُ ، سَوَاءٌ خَيْرُهَا وَشَرُّهَا ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا : مَعْنَاهُ : لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ . قَالَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ . وَالثَّانِي : حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، عَنِ الْمُزَنِيِّ وَقَالَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا مَعْنَاهُ : لَا يُضَافُ إِلَيْكَ عَلَى انْفِرَادِهِ ، لَا يُقَالُ : يَا خَالِقَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ، وَيَا رَبَّ الشَّرِّ وَنَحْوُ هَذَا ، وَإِنْ كَانَ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ الشَّرُّ فِي الْعُمُومِ . وَالثَّالِثُ : مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَا يَصْعَدُ إِلَيْكَ إِنَّمَا يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ . وَالرَّابِعُ : مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكَ فَإِنَّكَ خَلَقْتَهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ . وَالْخَامِسُ : حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ كَقَوْلِكَ فُلَانٌ إِلَى بَنِي فُلَانٍ إِذَا كَانَ عِدَادُهُ فِيهِمْ أَوْ صَفُّوهُ إِلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ) أَيِ الْتِجَائِي وَانْتِمَائِي إِلَيْكَ وَتَوْفِيقِي بِكَ . قَوْلُهُ : ( تَبَارَكْتَ ) أَيِ اسْتَحْقَقْتَ الثَّنَاءَ وَقِيلَ : ثَبَتَ الْخَيْرُ عِنْدَكَ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : تَبَارَكَ الْعِبَادُ بِتَوْحِيدِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِنَصْبِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ اللَّامِ وَرَفْعِهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي الرَّاجِحِ مِنْهُمَا ، وَالْأَشْهَرُ النَّصْبُ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ بِدَلَائِلِهِ مُضَافًا إِلَى قَائِلِيهِ ، وَمَعْنَاهُ : حَمْدًا لَوْ كَانَ أَجْسَامًا لَمَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لِعِظَمِهِ . قَوْلُهُ : ( سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : هُمَا مِنَ الرَّأْسِ ، وَآخَرُونَ أَعْلَاهُمَا مِنَ الرَّأْسِ وَأَسْفَلُهُمَا مِنَ الْوَجْهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : مَا أَقْبَلَ عَلَى الْوَجْهِ فَمِنَ الْوَجْهِ وَمَا أَدْبَرَ فَمِنَ الرَّأْسِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ : هُمَا عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ لَا مِنَ الرَّأْسِ وَلَا مِنَ الْوَجْهِ بَلْ يَطْهُرَانِ بِمَاءٍ مُسْتَقِلٍّ ، وَمَسْحُهُمَا سُنَّةٌ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنِ احْتِجَاجِ الزُّهْرِيِّ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ جُمْلَةُ الذَّاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ السُّجُودَ يَقَعُ بِأَعْضَاءٍ أُخَرَ مَعَ الْوَجْهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إِلَى مَا يُجَاوِرُهُ كَمَا يُقَالُ : بَسَاتِينُ الْبَلَدِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) أَيِ الْمُقَدِّرِينَ وَالْمُصَوِّرِينَ . قَوْلُهُ : ( أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ) مَعْنَاهُ : تُقَدِّمُ مَنْ شِئْتَ بِطَاعَتِكَ وَغَيْرِهَا ، وَتُؤَخِّرُ مَنْ شِئْتَ عَنْ ذَلِكِ كَمَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُكَ ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الذِّكْرِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ وَالدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : ( وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُعَائِهِ بِاللَّيْلِ · ص 391 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل · ص 400 ( 771 ) [646] - وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ قَالَ : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ؛ فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا ، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ ، لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وأتوب إِلَيْكَ !! وَإِذَا رَكَعَ قَالَ : اللهمَّ لَكَ رَكَعْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي ، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي . وَإِذَا رَفَعَ قَالَ : اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ الأَرْضِ ، وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ . وَإِذَا سَجَدَ قَالَ : اللهمَّ لَكَ سَجَدْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، تَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ : اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ ، ثُمَّ قَالَ : وَجَّهْتُ وَجْهِي . وَقَالَ : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ : وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ : سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . وَقَالَ : وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ. وَقَالَ : إِذَا سَلَّمَ قَالَ : اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ . . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ . وقوله : وجهت وجهي ؛ أي : صوَّبت وجهي ، وأخلصت في عبادتي. وحنيفًا ؛ أي : مائلا عن جميع المعبودات سوى الله تعالى . ونسكي ؛ أي : ما أتَنسكُ به من القُرب والعبادات . والمحيا والممات ؛ أي : الحياة والموت ، كما قال للأنصار : المحيا محياكم ، والممات مماتكم . والعالمين : الخلق . وأصله من العلم ، وقيل : من العلامة . وأنا من المسلمين ؛ أي : مسلم من المسلمين المتمكنين في الاستسلام ، الذين سلموا أنفسهم للنيران ، وأموالهم للضيفان ، وولدهم للقربان ، وفوّضوا جميع أمورهم للرحمن . وفي التلاوة : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ؛ أي : أوّل سابق بالنسبة إلى زمانه . وقوله : واهدني لأحسن الأخلاق ؛ أي : لأكملها وأفضلها ؛ وهي : الخُلق الصحيح ، والكفَّ عن القبيح . وقيل : للقيام بالحقوق ، والعفو عن العقوق ؛ كما قال : أن تعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك . وقد أجاب الله تعالى دعاء نبيه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، فجمع له منها ما تفرق في العالمين ؛ حتى قال له تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ولبيك : معناه : إجابة لك بعد إجابة . وسعديك ؛ أي : مساعدة بعد مساعدة ، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلا مضافة مثنَّاة ، وقد تقدّم القول في : بيدك الخير . وقوله : والشرّ ليس إليك ؛ أي : لا يضاف إليك مخاطبة ونسبة ، تأدُّبًا ، مع أنه بقضاء الله تعالى وقدره ، وخلقه واختراعه ؛ كالخير ، كما قال الله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وكما قال : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقوله : خشع لك سمعي ، وبصري ، ومخي ، وعظمي وعصبي ؛ أي : أخذ كل عضو من هذه الأعضاء حظه من الخضوع والتذلل ؛ أي : سكنت وافتقرت ، وإن كان أصل الخشوع في القلب ؛ لكن ثمرته تظهر على الجوارح والأعضاء ، فسُمِّيَ بذلك : خشوعًا ، كما قال تعالى : تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً ؛ أي : متذللة ، مفتقرة لما تحيا به من الماء ، أو يكون هذا على الإغياء والتشبيه ، كما قال : لا عُضْوَ لي إلا وفيه محبةٌ فكأن أعضائي خلقن قلوبًا وهذا هو النور الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المتقدم . وقد تقدم القول في : ملء السماوات والأرض ، في الطهارة . وقوله : وملء ما شئت من شيء بعد : يحتمل أن يكون معناه : من شيء يمكن أن يخلقه ؛ يكون أكبر من السماوات والأرض ، ويحتمل أن يراد به العرش والكرسي ، ففي الحديث : إن السماوات والأرض في الكرسي كالحلقة الملقاة في فلاة من الأرض ، والكرسي وما فيه في العرش كحلقه ملقاة في فلاة . والله تعالى أعلم . ومقصود هذا الحديث : الإغياء في تكثير الحمد والثناء . و" بعد " ظرف مبني على الضم ؛ لأنه قطع عن المضاف إليه ، مع أنه مراد ، ومعناه هنا : بعد السماوات والأرض المذكورة قبل . وقوله : وشق سمعه وبصره ؛ أي : خلق فيه السمع والبصر . وقد يحتج بإضافة السمع إلى الوجه من يقول : إن الأذنين من الوجه فيغسلان بغسله ، ولا حجة فيه ؛ لأنه يعارضه قوله - صلى الله عليه وسلم - : فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه . فجعل الأذن غاية للرأس ، فهي منه ؛ لأنا نقول بموجب ذلك ، ونفرق بين السمع والأذن ؛ فإن السمع الإدراك الذي في الأذن لا الأذن ؛ ولأن الوجه لا يتضمن الأذنين كما تقدم . وقوله : أنت المقدم وأنت المؤخر ؛ أي : تقدم من تشاء فتجعلهم أنبياء وأولياء ، وعلماء ، وفضلاء ، وتؤخر من شئت فتجعله فرعون ، وأبا جهل . أو تملك الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ، وعلى الجملة فكل تقديم وتأخير منه . وقوله : كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال : وجهت وجهي : أخذ به الشافعي ، وأن هذا التوجيه سنة راتبة في صلاة الفرض بعد التكبير ، ولا حجة له فيه ؛ لأن هذا يحتمل أنه كان في صلاة الليل فقط ، وتكون الصلاة يراد بها صلاة الليل فقط ، ولئن سلمنا أنه للعموم لزم منه أن يكون الدعاء المذكور في هذا الحديث في الركوع والسجود سنة راتبة في كل صلاة ، ولا قائل به ؛ فإن مساق الحديث واحد ، فلِمَ يفرق بين التوجيه وغيره من الأدعية والأذكار . ولئن سلمنا الفرق فعندنا ما يعارض ذلك ، وهو أمران : أحدهما : أنه قال في الرواية الأولى : إنه كان إذا قام إلى الصلاة قال : وجهت وجهي ، ولم يذكر التكبير ، وظاهره إذا أراد القيام ، فيكون قبل التكبير . وثانيهما : أنه لو كان ذلك سنة راتبة لنقله أهل المدينة بالعمل ؛ إذ مثل ذلك لا يخفى عليهم مع شدة بحثهم عن أفعاله وأحواله ، وخصوصًا في الصلاة الكثيرة التكرار ، العظيمة الموقع ، فلما كان ذلك علمنا : أنه ليس بسنة راتبة ، ولا يُمنع من قاله كسائر الأذكار والأدعية . وقد روى الدارقطني في حديث علي المتقدم : أن ذلك كان في المكتوبة ، فإن صح ذلك كان دليلا على جواز وقوع ذلك في الصلاة المكتوبة ، إذ لم يضر بمن خلفه بطول القيام ؛ لا أنه سنة راتبة ؛ لما تقدم ، والله أعلم .