258 - 810 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَالَ : فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ : وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي السَّلِيلِ ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَاسْمُهُ ( ضُرَيْبُ بْنُ نُقَيْرٍ ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا ( وَنُقَيْرٌ ) بِالْقَافِ ، وَقِيلَ : الْفَاءِ ، وَقِيلَ : نُفَيْلٌ بِالْفَاءِ وَاللَّامِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ ) فِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِأُبَيٍّ وَدَلِيلٌ عَلَى كَثْرَةِ عِلْمِهِ . وَفِيهِ تَبْجِيلُ الْعَالِمِ فُضَلَاءَ وَتَكْنِيَتُهُمْ ، وَجَوَازُ مَدْحِ الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، وَلَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ إِعْجَابٌ وَنَحْوُهُ ؛ لِكَمَالِ نَفْسِهِ وَرُسُوخِهِ فِي التَّقْوَى . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : فِيهِ حُجَّةٌ لِلْقَوْلِ بِجَوَازِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ ، وَتَفْضِيلِهِ عَلَى سَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى . قَالَ : وَفِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ فَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِهِ يَقْتَضِي نَقْصَ الْمَفْضُولِ ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّهِ نَقْصٌ بِهِ ، وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ مَا وَرَدَ مِنْ إِطْلَاقِ أَعْظَمِ وَأَفْضَلِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ بِمَعْنًى عَظِيمٍ وَفَاضِلٍ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ ، قَالُوا : وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ أَجْرِ قَارِئِ ذَلِكَ وَجَزِيلِ ثَوَابِهِ ، وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ قَوْلِ هَذِهِ الْآيَةِ أَوِ السُّورَةِ أَعْظَمُ أَوْ أفْضَلُ ، بِمَعْنَى أَنَّ الثَّوَابَ الْمُتَعَلِّقَ بِهَا أَكْثَرُ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا تَمَيَّزَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ بِكَوْنِهَا أَعْظَمَ لِمَا جَمَعَتْ مِنْ أُصُولِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْمُلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ ، وَهَذِهِ السَّبْعَةُ أُصُولُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ · ص 418 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فضل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة · ص 435 ( 810 ) [680] - وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قال : قُلْتُ : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَالَ : فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ : لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأُبيٍّ فيه : أيّ آية من كتاب الله معك أعظم ؟ حجة لمن يقول بتفضيل بعض آي القرآن على بعض ، وتفضيل القرآن على سائر الكتب المنزلة ، وهذا مما اختلف فيه ، فذهب إلى جوازه إسحاق بن راهويه ، وغيره من العلماء والمتكلمين مستدلا بهذا الحديث ، وبما يشبهه ؛ كقوله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القرآن . ومنع ذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري ، والقاضي أبو بكر ، وجماعة من الفقهاء ، قالوا : لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول ، وكلام الله - تعالى - لا نقص فيه . وتأولوا هذا اللفظ : بأن أفعل يأتي بمعنى فعيل ؛ كما قال - تعالى - : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وهذا فيه نظر ؛ فإنا نقول : إن أريد بالنقص اللازم من التفضيل إلحاق ما يعيب المفضول ؛ فهذا ليس بلازم مطلقًا ، وإن أريد بالنقص : أن المفضول ليس فيه ما في الأفضل من ذلك القدر الذي زاد به ؛ فهو الحق ، ولولا ذلك لما تحققت المفاضلة . ثم لا يجوز إطلاق النقص ولا الأنقص على شيء من كلام الله - تعالى - . وأما تأويل الحديث فهو وإن كان فيه مسوّغًا ، فلا يجري في كل موضع يستدل به على التفضيل ، فإن منها نصوصًا لا تقبل التأويل ؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القرآن ، وغير ذلك مما في هذا المعنى . وإنما كانت آية الكرسي أعظم ؛ لما تضمنته من أوصاف الإلهية وأحكامها ، على ما لا يخفى على من تأملها ، فإنها تضمنت من ذلك ما لم يتضمنه غيرها من الآي . وقال بعض المتأخرين : إن هذه الآية اشتملت من الضمائر العائدة على الله - تعالى - على ستة عشر ، وكلها تفيد تعظيمًا لله - تعالى - ، فكانت أعظم آية في كتاب الله - تعالى - لذلك . والله أعلم . وقوله لأُبيٍّ حين أخبره بذلك : ليهنك العلم ، وضربه صدره : تنشيط له ، وترغيب في أن يزداد علمًا وبصيرة ، وفرح بما ظهر عليه من آثاره المباركة ، وفيه إلقاء العالم المسائل على المتعلم ؛ ليختبره بذلك .