294 - 832 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمَّارٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ عِكْرِمَةُ : وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ وَوَاثِلَةَ وَصَحِبَ أَنَسًا إِلَى الشَّامِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَضْلًا وَخَيْرًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ : كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا ، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَخْفِيًا جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا نَبِيٌّ ، فَقُلْتُ : وَمَا نَبِيٌّ ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي اللَّهُ ، فَقُلْتُ : وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ، قُلْتُ لَهُ : فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : حُرٌّ وَعَبْدٌ قَالَ : وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ فَقُلْتُ : إِنِّي مُتَّبِعُكَ ، قَالَ : إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ ، وَلَكِنْ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي ، قَالَ : فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَكُنْتُ فِي أَهْلِي فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ : مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ ؟ فَقَالُوا : النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ قَالَ : فَقُلْتُ : بَلَى ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ ، أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ . قَالَ : صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ قَالَ : فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ قَالَ : مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ ، وَفِيهِ ، وَخَيَاشِيمِهِ ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ . فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ : يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ ، فَقَالَ عَمْرٌو : يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَاقْتَرَبَ أَجَلِي وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ - مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ مَنْسُوبٌ إِلَى مَعْقِرَ وَهِيَ نَاحِيَةٌ بِالْيَمَنِ . قَوْلُهُ : ( جُرَآءٌ عَلَيْهِ قَوْمُهُ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ جُرَآءٌ بِالْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ جَمْعُ جَرِيءٍ بِالْهَمْزِ مِنَ الْجُرْأَةِ وَهِيَ الْإِقْدَامُ وَالتَّسَلُّطُ ، وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ( حِرَاءٌ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ ، وَمَعْنَاهُ : غِضَابٌ ذُو غَمٍّ ، قَدْ عِيلَ صَبْرُهُمْ بِهِ حَتَّى أَثَّرَ فِي أَجْسَامِهِمْ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : حَرَى جِسْمُهُ يَحْرِي كَضَرَبَ يَضْرِبُ إِذَا نَقَصَ مِنَ أَلَمٍ وَغَيْرِهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بِالْجِيمِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَنْتَ ؟ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( مَا أَنْتَ ؟ ) وَإِنَّمَا قَالَ : ( مَا أَنْتَ ) وَلَمْ يَقُلْ : ( مَنْ أَنْتَ ؟ ) لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ صِفَتِهِ لَا عَنْ ذَاتِهِ ، وَالصِّفَاتُ مِمَّا لَا يُعْقَلُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ) هَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَثِّ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَنَهَا بِالتَّوْحِيدِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ حَزَبَاتِ الْأُمُورِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُهِمَّهَا وَبَدَأَ بِالصِّلَةِ . وَقَوْلُهُ : ( وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ ) دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِمَا ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُمَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : إِنِّي مُتَّبِعُكَ ، قَالَ : إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ ؟ وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي ) مَعْنَاهُ : قُلْتُ لَهُ : إِنِّي مُتَّبِعُكَ عَلَى إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ هُنَا ، وَإِقَامَتِي مَعَكَ فَقَالَ : لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ لِضَعْفِ شَوْكَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَنَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ أَذَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ ، وَلَكِنْ قَدْ حَصَلَ أَجْرُكَ فَابْقَ عَلَى إِسْلَامِكَ ، وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ وَاسْتَمِرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعِكَ حَتَّى تَعْلَمَنِي ظَهَرْتُ فَأْتِنِي ، وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ لِلنُّبُوَّةِ وَهِيَ إِعْلَامُهُ بِأَنَّهُ سَيَظْهَرُ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ ، فَقُلْتُ : بَلَى ) فِيهِ صِحَّةُ الْجَوَابِ ( بِبَلَى ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا نَفْيٌ ، وَصِحَّةُ الْإِقْرَارِ بِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا ، وَشَرْطُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَفْيٌ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ ) هَكَذَا هُوَ عَمَّا عَلَّمَكَ ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ أَخْبِرْنِي عَنْ حُكْمِهِ وَصِفَتِهِ وَبَيِّنْهُ لِي . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ ) فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ لَا يَزُولُ بِنَفْسِ الطُّلُوعِ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِارْتِفَاعِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ ) أَيْ تَحْضُرُهَا الْمَلَائِكَةُ فَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْقَبُولِ وَحُصُولِ الرَّحْمَةِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ ) مَعْنَى : يَسْتَقِلُّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ أَيْ يَقُومُ مُقَابِلَهُ فِي جِهَةِ الشَّمَالِ لَيْسَ مَائِلًا إِلَى الْمَغْرِبِ وَلَا إِلَى الْمَشْرِقِ ، وَهَذِهِ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ ، وَفِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ . وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلِلْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَلَامٌ عَجِيبٌ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ نَبَّهَتْ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ . وَمَعْنَى ( تُسْجَرُ جَهَنَّمُ ) تُوقَدُ عَلَيْهَا إِيقَادًا بَلِيغًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ هَلْ جَهَنَّمُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أَمْ عَجَمِيٌّ ؟ فَقِيلَ : عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ كَرَاهَةُ الْمَنْظَرِ ، وَقِيلَ : مِنْ قَوْلِهِمْ بِئْرٌ جَهَامُ أَيْ عَمِيقَةٌ ، فَعَلَى هَذَا لَمْ تُصْرَفْ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : هِيَ عَجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ وَامْتَنَعَ صَرْفُهَا لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ ) مَعْنَى : أَقْبَلَ الْفَيْءُ ظَهَرَ إِلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَيْءُ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَأَمَّا الظِّلُّ فَيَقَعُ عَلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ ، وَفِيهِ كَلَامٌ نَفِيسٌ بَسَطْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَا يَدْخُلُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَلَا بِصَلَاةِ غَيْرِ الْإِنْسَانِ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ يُكْرَهِ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُدْنِيهِ ، وَالْوَضُوءُ هُنَا بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ ) أَيْ يُخْرِجُ الَّذِي فِي أَنْفِهِ ، يُقَالُ : نَثَرَ وَانْتَثَرَ وَاسْتَنْثَرَ ، مُشْتَقٌّ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ الْأَنْفُ ، وَقِيلَ : طَرَفُهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الطَّهَارَةِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( خَرَّتْ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ الرُّوَاةِ إِلَّا ابْنَ أَبِي جَعْفَرٍ فَرَوَاهُ ( جَرَتْ ) بِالْجِيمِ . وَمَعْنَى ( خَرَّتْ ) بِالْخَاءِ أَيْ سَقَطَتْ . وَمَعْنَى ( جَرَتْ ) ظَاهِرٌ . وَالْمُرَادُ بِالْخَطَايَا الصَّغَائِرُ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ . وَالْخَيَاشِيمُ جَمْعُ خَيْشُومٍ وَهُوَ أَقْصَى الْأَنْفِ ، وَقِيلَ : الْخَيَاشِيمُ عِظَامٌ رِقَاقٌ فِي أَصْلِ الْأَنْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّمَاغِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّ الْوَاجِبَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ، وَقَالَ الشِّيعَةُ : الْوَاجِبُ مَسْحُهُمَا ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : هُوَ مُخَيَّرٌ ، وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ : يَجِبُ الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ . قَوْلُهُ : ( لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ) هَذَا الْكَلَامُ قَدْ يُسْتَشْكَلُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَرَى التَّحْدِيثَ إِلَّا بِمَا سَمِعَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ مَرَّاتٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ سَمِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً جَازَ لَهُ الرِّوَايَةُ ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا تَعَيَّنَ لَهَا ، وَجَوَابُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ : لَوْ لَمْ أَتَحَقَّقْهُ وَأَجْزِمْ بِهِ لَمَا حَدَّثْتُ بِهِ ، وَذَكَرَ الْمَرَّاتِ بَيَانًا لِصُورَةِ حَالِهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا · ص 434 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها · ص 459 ( 832 ) [700] - وَعَنْ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ قَالَ : كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ - أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلالَةٍ ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ ، قَالَ : فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا ، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي ، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَخْفِيًا ، جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيَّهِ بِمَكَّةَ ، قُلْتُ لَهُ : مَن أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا نَبِيٌّ الله ، فَقُلْتُ : وَمَا نَبِيٌّ الله ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي الله ، فَقُلْتُ : بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ ، وَأَنْ يُوَحَّدَ الله لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ، قُلْتُ : فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : حُرٌّ وَعَبْدٌ . ( قَالَ : وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ مِمَّنْ آمَنَ مَعَهُ ) . فَقُلْتُ : إِنِّي مُتَّبِعُكَ . قَالَ : إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا ، أَلا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ ؟ وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي قَالَ : فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي ، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ ، وَكُنْتُ فِي أَهْلِي فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ ، وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ : مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ ؟ فَقَالُوا : النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ! أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : بَلَى ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ الله ! أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله وَأَجْهَلُهُ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاةِ ؟ قَالَ : صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ، ثُمَّ صَلِّ ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ . قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رسول الله ، فَالْوُضُوءَ ؟ حَدِّثْنِي عَنْهُ . قَالَ : مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَسْتنَثِرُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ . وقول عمرو بن عبسة : كنت وأنا في الجاهلية أظن الناس على ضلالة ؛ أي : أعلم وأتيقن ، فإن الظن قد يطلق على اليقين ، كما قال - تعالى - : فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وقوله : قعدت على راحلتي ؛ أي : ركبتها . وقوله : جُرَءَاءُ عليه قومه ؛ أي : يجترئون - من الجرأة - ، وهو مرفوع على أنه خبر مقدم ، وقومه مبتدأ ، على مذهب البصريين . وقوله : من أنت ؟ سؤال عمن يعقل . وقوله : وما نبي الله ؟ سؤال عن النبوة ، وهي من جنس ما لا يعقل ؛ لأنها معنى من المعاني . وقوله : فمن معك على هذا ؟ قال : حرّ وعبد ؛ الحر : أبو بكر ، والعبد : بلال ؛ كما فسَّره . ولم يذكر له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليًّا لصغره ، فإنه أسلم وهو ابن سبع سنين ، وقيل : ابن عشر ، ولا خديجة - رضي الله عنها - ؛ لأنه فهم عنه أنه إنما سأله عن الرجال ، فأجابه حسب ذلك . ويُشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وقاص ، فإنه قال : ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ، ولقد مكثت سبعة أيام ، وإني لثلث الإسلام ، وظاهره أن أبا بكر وبلالا أسلما في اليوم الذي أسلم فيه سعد ، وأنه أقام سبعة أيام لم يسلم معهم الثلاثة أحد ، وحينئذ يلزم أن يكون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم جاءه عمرو بن عبسة : أبو بكر وسعد وبلال ، لكن سكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أعني : عن سعد - ، فلم يذكره ، إما ذهولا عنه ، وإما لأن سعدًا لم يكن حاضرًا إذ ذاك بمكة ، وإما لأمر آخر . والله أعلم . وقد تقدم الكلام على قرني الشيطان في الإيمان ، وعلى ما تضمنه من الأوقات فيها ، وعلى تكفير الخطايا في الطهارة. وقوله : إني متبعك ، معناه : أصحبك . وأكون معك في موضعك ، ولذلك أجابه بقوله : إنك لا تستطيع يومك هذا ، ولم يرد عليه إسلامه ، وإنما ردّ عليه كونه معه . وقوله : فإذا سمعت أني قد ظهرت ؛ أي : علوت وغلبت ، وهذا من إخباره - صلى الله عليه وسلم - بالغيب ، فهو داخل في باب دلالات نبوته ، فإنه أخبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه ، وهذا معنى قوله - تعالى - : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ؛ أي : ليعليه . وقوله : أخبرني عن الصلاة : سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز التنفل فيه من الوقت الذي لا يجوز ، وإنما قُلنا ذلك ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - فَهِم عنه ذلك ، فأجابه به ، ولو كان سؤاله عن غير ذلك لما كان يكون جوابه مطابقًا للسؤال . وقوله : أقصر ؛ أي : كف . وتُسَجَّر ؛ أي : تملأ ، ومنه : البحر المسجور ؛ أي : المملوء . واسم إن محذوف ، وهو ضمير الأمر والشأن . تقديره : فإنه حينئذٍ ؛ كما قال الشاعر : إن من يدخل الكنيسة يومًا أي : إنه من ، ويجوز إثباته ؛ كما قال - تعالى - : إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا . وقوله : حتى يستقل الظل بالرمح ؛ أي : يكون ظلُّه قليلا ، كأنه قال : حتى يقل ظل الرمح ، والباء زائدة ؛ كما قال - تعالى - : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ . وقد رواه أبو داود ، فقال : حتى يعدل الرمح ظله . قال الخطابي : هذا إذا قامت الشمس ، وتناهى قصر الظل . وقد روى الخشني لفظ كتاب مسلم : حتى يستقلّ ظل الرمح ؛ أي : يقوم ، ولا تظهر زيادته . وفيه حجة لمن منع الصلاة حينئذ ؛ وهم أهل الرأي ، وقد روي عن مالك ، ومشهور مذهبه ومذهب جمهور العلماء : جواز الصلاة حينئذٍ ، وحجتهم : عمل المسلمين في جميع الأقطار على جواز التنفُّل يوم الجمعة إلى صعود الإمام على المنبر عند الزوال . قال القاضي أبو الفضل : وتأوّل الجمهور الحديث : على أنه منسوخ بإجماع عمل الناس ، أو يكون المراد به : الفريضة ، ويكون موافقًا لقوله : إذا اشتد الحرّ فأبردوا عن الصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم . قلت : وفي هذا نظر ، وهو : أنه لا يصحّ أن يكون نسخًا على حقيقته ، وإنما هو تخصيص ، فإنه إخراج بعض ما تناوله اللفظ الأول ، لا رفع لكلية ما يتناوله . وأما قولهم : إن هذا في الفريضة ، فليس بصحيح ؛ لوجهين : أحدهما : أن مقصود هذا الحديث : بيان الوقت الذي يجوز فيه التنفل من الوقت الذي لا يجوز فيه ؛ كما قررناه آنفًا . وثانيهما : حديث عقبة بن عامر المتقدم ، فإنه قال فيه : ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلّي فيهن ، وذكر هذا الوقت ، ومقصوده قطعًا : بيان حكم التنفل في هذه الأوقات ، فالظاهر : حمل النهي على منع التنفل في هذه الأوقات الثلاثة ؛ إلا في يوم الجمعة ؛ جمعًا بين الأحاديث والإجماع المحكي . والله - تعالى - أعلم . وقوله : خرّت خطاياه : رواية أكثرهم بالخاء المعجمة ؛ أي : سقطت ، وهو كناية عن مغفرة الذنوب . وعند أبي جعفر : جرت بالجيم في الأولى ، وقد رويناه بالجيم في جميعها ، ومعناه صحيح ؛ كما قال : خرجت خطاياه مع الماء . وقوله : وفرغ قلبه لله ؛ أي : مما يشغله عن الصلاة ؛ كما قال : لا يحدث فيها نفسه . وقوله : إلا انصرف من خطيئته كهيئته في يوم ولدته أمه ؛ أي : لا يبقى عليه شيء ، لا كبيرة ولا صغيرة ؛ هذا ظاهره . وقد بينا هذا المعنى في الطهارة .