8 - 848 - حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ح ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . قَولَ طَاوُسٌ : فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ . قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ . وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ح ، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . 9 - 849 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ 10 - 850 - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ) مَعْنَاهُ : غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي الصِّفَاتِ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ : الْمُرَادُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ حَقِيقَةً ، قَالُوا : وَيُسْتَحَبُّ لَهُ مُوَاقَعَةُ زَوْجَتِهِ لِيَكُونَ أَغَضَّ لِلْبَصَرِ وَأَسْكَنَ لِنَفْسِهِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ) الْمُرَادُ بِالرَّوَاحِ الذَّهَابُ أَوَّلَ النَّهَارِ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ . مَذْهَبُ مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَاتِ هُنَا لَحَظَاتٌ لَطِيفَةٌ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَالرَّوَاحُ عِنْدَهُمْ بَعْدَ الزَّوَالِ وَادَّعَوْا أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ أَصْحَابِهِ وَابْنِ حَبِيبٍ الْمَالِكِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ اسْتِحْبَابُ التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا أَوَّلَ النَّهَارِ ، وَالسَّاعَاتُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَالرَّوَاحُ يَكُونُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : لُغَةُ الْعَرَبِ الرَّوَاحُ الذَّهَابُ سَوَاءٌ كَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ أَوْ آخِرَهُ أَوْ فِي اللَّيْلِ . وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ . وَالْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكْتُبُ مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى وَهُوَ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، وَمَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ الثَّالِثَةِ ثُمَّ الرَّابِعَةِ ثُمَّ الْخَامِسَةِ . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ السَّادِسَةِ ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ ، وَلَمْ يَكْتُبُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَحَدًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْجُمُعَةِ مُتَّصِلًا بِالزَّوَالِ وَهُوَ بَعْدَ انْفِصَالِ السَّادِسَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنَ الْهَدْيِ وَالْفَضِيلَةِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ السَّاعَاتِ إِنَّمَا كَانَ لِلْحَثِّ فِي التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا وَالتَّرْغِيبِ فِي فَضِيلَةِ السَّبْقِ وَتَحْصِيلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَانْتِظَارِهَا وَالِاشْتِغَالِ بِالتَّنَفُّلِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَحْصُلُ بِالذَّهَابِ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَلَا فَضِيلَةَ لِمَنْ أَتَى بَعْدَ الزَّوَالِ ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ يَكُونُ حِينَئِذٍ وَيَحْرُمُ التَّخَلُّفُ بَعْدَ النِّدَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تَعْيِينُ السَّاعَاتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَمْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ ؟ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ جَاءَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ السَّاعَاتِ وَمَنْ جَاءَ فِي آخِرِهَا مُشْتَرَكَانِ فِي تَحْصِيلِ أَصْلِ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْكَبْشِ ، وَلَكِنْ بَدَنَةُ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْ بَدَنَةِ مَنْ جَاءَ فِي آخِرِ السَّاعَةِ ، وَبَدَنَةُ الْمُتَوَسِّطِ مُتَوَسِّطَةٌ ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى أُلُوفٍ ، فَمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ هُمْ عَشَرَةُ آلَافٍ لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً ، وَمَنْ صَلَّى مَعَ اثْنَيْنِ لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ ، لَكِنْ دَرَجَاتُ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ مَعْرُوفَةٌ ، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ جَوَابٌ عَنِ اعْتِرَاضٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ) أَمَّا لُغَاتُ هَذَا الْفَصْلِ فَمَعْنَى ( قَرَّبَ ) تَصَدَّقَ . وَأَمَّا ( الْبَدَنَةُ ) فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ : يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَدَنِهَا ، وَخَصَّهَا جَمَاعَةٌ بِالْإِبِلِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِبِلُ بِالِاتِّفَاقِ لِتَصْرِيحِ الْأَحَادِيثِ بِذَلِكَ . وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ يَقَعَانِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِاتِّفَاقِهِمْ ، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْوَاحِدَةِ كَقَمْحَةٍ وَشَعِيرَةٍ وَنَحْوِهُمَا مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ . وَسُمِّيَتْ بَقَرَةٌ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشُقُّهَا بِالْحِرَاثَةِ . وَالْبَقْرُ : الشَّقُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : بَقَرَ بَطْنَهُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ؛ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ وَدَخَلَ فِيهِ مَدْخَلًا بَلِيغًا ، وَوَصَلَ مِنْهُ غَايَةً مَرْضِيَّةً . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَبْشًا أَقْرَنَ ) . وَصَفَهُ بِالْأَقْرَنِ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَأَحْسَنُ صُورَةً وَلِأَنَّ قَرْنَهُ يُنْتَفَعُ بِهِ . وَالدَّجَاجَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَيَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَيُقَالُ : حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ وَأَمَّا فِقْهُ الْفَصْلِ فَفِيهِ : الْحَثُّ عَلَى التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَأَنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ فِي الْفَضِيلَةِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وَفِيهِ : أَنَّ الْقُرْبَانَ وَالصَّدَقَةَ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بَعْدَ الْكَبْشِ ( بَطَّةٌ ثُمَّ دَجَاجَةٌ ثُمَّ بَيْضَةٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ الْكَبْشِ ( دَجَاجَةٌ ثُمَّ عُصْفُورٌ ثُمَّ بَيْضَةٌ ) وَإِسْنَادَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَانِ . وَفِيهِ : أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ الْإِبِلَ وَجَعَلَ الْبَقَرَةَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرِ فِي الْهَدَايَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأُضْحِيَّةِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ ، ثُمَّ الْبَقَرَ ثُمَّ الْغَنَمَ كَمَا فِي الْهَدَايَا ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ أَفْضَلَ الْأُضْحِيَّةِ الْغَنَمُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْإِبِلُ قَالُوا : لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْهَدَايَا ، وَأَمَّا تَضْحِيَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا تَرْجِيحُ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَمَكَّنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ إِلَّا مِنَ الْغَنَمِ أَوْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ ) قَالُوا : هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ حَاضِرِي الْجُمُعَةِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ · ص 450 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فضل الغسل للجمعة وتأكيده · ص 483 ( 850 ) [718] - وَعَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة : يعني في الصفة . والأغسال الشرعية كلها على صفة واحدة وإن اختلفت أسبابها . وهكذا رواية الجمهور ، ووقع عند ابن ماهان : " غسل الجمعة " مكان " غسل الجنابة " . وفي كتاب أبي داود من حديث أوس بن أوس مرفوعًا - مشدد السين - : من غسَّل واغتسل ، وذكر نحو حديث مسلم . وقد روي مخفف السين ، وروايتنا التشديد . واختُلف في معناه ، فقيل : معناه : جامَعَ ؛ يقال : غسَل وغَسَّل ؛ أي : جامَعَ . قالوا : ليكون أغضَّ لبصره في سعيه إلى الجمعة . وقيل في التشديد : أوجب الغسل على غيره ، أو حمله عليه . وقيل : غسّل للجنابة ، واغتسل للجمعة ، وقيل : غسّل رأسه ، واغتسل في بقية جسده . وقيل : غسَّل : بالغ في النظافة والدَّلْكِ ، واغتسل : صبّ الماء عليه . وأنسبُ ما في هذه الأقوال : قول من قال : حمل غيره على الغسل بالحث والترغيب والتذكير ، والله تعالى أعلم . وقوله : ثم راح . والرواح في أصل اللغة : الرجوع بِعَشِيّ ، ومنه قول امرئ القيس : ورحنا كأنَّا من جُواثَى عَشِيَّةً نُعالي النِّعاجَ بَيْنَ عِدْلٍ وَمِحْقَبِ وأول العشي : زوال الشمس ، وهو أوّل وقت أمرنا الله فيه بالسعي إلى الجمعة ؛ لأنه تعالى قد قال : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا وهذا النداء هو الذي يحصل به الإعلام بدخول الوقت ، وبعده يخرج الإمام فيجلس على المنبر ، ويؤذن الأذان الثاني ، وفائدته : الإعلام بحضور الخطبة ، وعند هذا الأذان تطوي الملائكة صحف المبكِّرين ، ويستمعون الذكر ، كما جاء في حديث أبي هريرة ، ولذلك قال العراقيون من أصحابنا : للجمعة أذانان : عند الزوال ، وعند جلوس الإمام على المنبر . وهذه الساعات المذكورة في هذا الحديث هي مراتب أوقات الرائحين إلى الجمعة ، من أول وقت الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر ويؤذن الأذان الثاني ، وليست عبارة عن الساعات التعديلية التي النهار منها : اثنتي عشرة ساعة ، وهذا الذي ذكرناه هو مذهب مالك ، وخالفه في ذلك الشافعي . وأكثر العلماء وابن حبيب من أصحابنا قالوا : هذه الساعات المذكورات في هذا الحديث هي المعروفة عند المعدِّلين ، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلاف في الأفضل : هل البكور إليها من أوّل ساعات النهار إلى الزوال ؟ أو الأفضل البكور في أول الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر ؟ واحتجَّ لمالك بثلاثة أوجه : أحدها : التمسك بلفظ : الرواح ، كما تقدم . ولئن سُلِّم أنه يُقال على المشي مطلقًا ؛ فعلى خلاف الأصل ، وهو مجاز . ولا يُعارضُ هذا بما في حديث الآخر من قوله : المهجِّر إلى الجمعة ، فيقال : إنه من الهاجرة ، وذلك قبل الزوال ؛ لأنا لا نُسلِّم أنها تختصّ بما قبل الزوال ، بل بشدَّة الحرّ . فهو صالح لما قبل الزوال وبعده . فبين لفظ الرواح أن المراد به ما بعد الزوال . ولا يُقال : إنّ حقيقة الساعة العرفية إنما هي المتعارفة عند المعدِّلين ؛ لأنا نمنع ذلك ، ونقول : بل الساعة في عرف اللغة : القطعة من الزمان غير محدود بمقدار ؛ كما قال تعالى : مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ، وتقول العرب : جئتك ساعة كذا . فتتعيَّن بحسب ما تضاف إليه ، وليست محدودة . والأصل : التمسك بالأصل . وثانيها : قوله - صلى الله عليه وسلم - : على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول ، فالأول كالجزور ، ثم نزلهم حتى صغر مثل البيضة . وهذا السياق تفسير الحديث الأول ، فإنَّ الفاء للترتيب وعدم المهلة ، فاقتضى هذا سبقيَّة الأول ، وتعقيب الثاني ، فالأوّل هو الذي راح في الساعة الأولى ، وهو الذي شُبِّه بِمُهدي البدنة ، والثاني في الساعة الثانية ، وهو المهدي بقرة ، وبعده المهدي شاة ، وبعده دجاجة ، وبعده بيضة . فهذه الخمس المراتب هي من أوّل الساعة السابعة إلى أن يجلس الإمام على المنبر ؛ فهي ساعات الدخول للجمعة ، لا ساعات النهار . والله أعلم . وثالثها : عمل أهل المدينة المتصل [ وقد جاء في سنن النسائي ما ينص على هذا المعنى ] بترك البكور للجمعة في أول النهار ، وسعيهم إليها قُرب خطبتها وصلاتها ، وهو نَقلٌ معلوم عندهم غير منكرٍ ، وما كان أهل عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين من بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره ، ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات . ورابعها : إنّا لو تنزَّلنا على أن الساعات في الحديث هي التعديلية ؛ للزم عليه انقضاء فضائل المبكِّرين للجمعة بانقضاء الخامسة ، ولا يبقى لأهل السادسة فضل ، فيلزم طيّ الصحف إذ ذاك ، وهو خلاف الحديث . وبيان ذلك : أن البدنة لأهل الساعة الأولى إلى أن تنقضي ، والبقرة لأهل الساعة الثانية إلى انقضائها ، والشاة لأهل الثالثة إلى انقضائها ، والدجاجة لأهل الرابعة ، والبيضة لأهل الخامسة ، وقد فرغت ساعات البكور ، ولم يبق لأهل السادسة ثواب في سعيهم ، وهذا مناقض للحديث الذي ذكرناه ولمعناه ؛ فإنه أخبر فيه : أن أجورهم لا تزال تكتب إلى أن يخرج الإمام ، وهو إنما يخرج في السابعة ، وحينئذ تَطْوي الملائكة الصحف ، وتستمع الذكر ، فلا تكتب للداخل إذ ذاك ثواب البكور ؛ إذ قد فرغت مراتب ثواب المبكرين . والله تعالى أعلم .