باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده
( 850 ) [718] - وَعَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ . ج٢ / ص٤٨٤وقوله - صلى الله عليه وسلم - : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة : يعني في الصفة . والأغسال الشرعية كلها على صفة واحدة وإن اختلفت أسبابها .
وهكذا رواية الجمهور ، ووقع عند ابن ماهان : " غسل الجمعة " مكان " غسل الجنابة " . وفي كتاب أبي داود من حديث أوس بن أوس مرفوعًا - مشدد السين - : من غسَّل واغتسل ، وذكر نحو حديث مسلم . وقد روي مخفف السين ، وروايتنا التشديد .
واختُلف في معناه ، فقيل : معناه : جامَعَ ؛ يقال : غسَل وغَسَّل ؛ أي : جامَعَ . قالوا : ليكون أغضَّ لبصره في سعيه إلى الجمعة . وقيل في التشديد : أوجب الغسل على غيره ، أو حمله عليه .
وقيل : غسّل للجنابة ، واغتسل للجمعة ، وقيل : غسّل رأسه ، واغتسل في بقية جسده . وقيل : غسَّل : بالغ في النظافة والدَّلْكِ ، واغتسل : صبّ الماء عليه . وأنسبُ ما في هذه الأقوال : قول من قال : حمل غيره على الغسل بالحث والترغيب والتذكير ، والله تعالى أعلم .
وقوله : ثم راح . والرواح في أصل اللغة : الرجوع بِعَشِيّ ، ومنه قول امرئ القيس :
وأكثر العلماء وابن حبيب من أصحابنا قالوا : هذه الساعات المذكورات في هذا الحديث هي المعروفة عند المعدِّلين ، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلاف في الأفضل : هل البكور إليها من أوّل ساعات النهار إلى الزوال ؟ أو الأفضل البكور في أول الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر ؟ واحتجَّ لمالك بثلاثة أوجه : أحدها : التمسك بلفظ : الرواح ، كما تقدم . ولئن سُلِّم أنه يُقال على المشي مطلقًا ؛ فعلى خلاف الأصل ، وهو مجاز . ولا يُعارضُ هذا بما في حديث الآخر من قوله : المهجِّر إلى الجمعة ، فيقال : إنه من الهاجرة ، وذلك قبل ج٢ / ص٤٨٦الزوال ؛ لأنا لا نُسلِّم أنها تختصّ بما قبل الزوال ، بل بشدَّة الحرّ .
فهو صالح لما قبل الزوال وبعده . فبين لفظ الرواح أن المراد به ما بعد الزوال . ولا يُقال : إنّ حقيقة الساعة العرفية إنما هي المتعارفة عند المعدِّلين ؛ لأنا نمنع ذلك ، ونقول : بل الساعة في عرف اللغة : القطعة من الزمان غير محدود بمقدار ؛ كما قال تعالى : مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ، وتقول العرب : جئتك ساعة كذا .
فتتعيَّن بحسب ما تضاف إليه ، وليست محدودة . والأصل : التمسك بالأصل . وثانيها : قوله - صلى الله عليه وسلم - : على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول ، فالأول كالجزور ، ثم نزلهم حتى صغر مثل البيضة .
وهذا السياق تفسير الحديث الأول ، فإنَّ الفاء للترتيب وعدم المهلة ، فاقتضى هذا سبقيَّة الأول ، وتعقيب الثاني ، فالأوّل هو الذي راح في الساعة الأولى ، وهو الذي شُبِّه بِمُهدي البدنة ، والثاني في الساعة الثانية ، وهو المهدي بقرة ، وبعده المهدي شاة ، وبعده دجاجة ، وبعده بيضة . فهذه الخمس المراتب هي من أوّل الساعة السابعة إلى أن يجلس الإمام على المنبر ؛ فهي ساعات الدخول للجمعة ، لا ساعات النهار . والله أعلم .
وثالثها : عمل أهل المدينة المتصل [ وقد جاء في سنن النسائي ما ينص على هذا المعنى ] بترك البكور للجمعة في أول النهار ، وسعيهم إليها قُرب خطبتها وصلاتها ، وهو نَقلٌ معلوم عندهم غير منكرٍ ، وما كان أهل عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين من بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره ، ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات . ج٢ / ص٤٨٧ورابعها : إنّا لو تنزَّلنا على أن الساعات في الحديث هي التعديلية ؛ للزم عليه انقضاء فضائل المبكِّرين للجمعة بانقضاء الخامسة ، ولا يبقى لأهل السادسة فضل ، فيلزم طيّ الصحف إذ ذاك ، وهو خلاف الحديث . وبيان ذلك : أن البدنة لأهل الساعة الأولى إلى أن تنقضي ، والبقرة لأهل الساعة الثانية إلى انقضائها ، والشاة لأهل الثالثة إلى انقضائها ، والدجاجة لأهل الرابعة ، والبيضة لأهل الخامسة ، وقد فرغت ساعات البكور ، ولم يبق لأهل السادسة ثواب في سعيهم ، وهذا مناقض للحديث الذي ذكرناه ولمعناه ؛ فإنه أخبر فيه : أن أجورهم لا تزال تكتب إلى أن يخرج الإمام ، وهو إنما يخرج في السابعة ، وحينئذ تَطْوي الملائكة الصحف ، وتستمع الذكر ، فلا تكتب للداخل إذ ذاك ثواب البكور ؛ إذ قد فرغت مراتب ثواب المبكرين .
والله تعالى أعلم .