باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده
( 857 ) ، ( 27 ) [719] - وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ ، وَزِيَادَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا . وقوله : غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام : زيادة الثلاثة لتكمل عشرة أيام بالتضعيف ؛ حتى تكون الحسنة بعشر أمثالها ؛ كما قال تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وقوله : ومن مسَّ الحصى فقد لغا ؛ أي : قد أتى لغوًا من الفعل أو القول . قال الهروي : تكلم بما لا يجوز له ، وقيل : لغا عن الصواب ؛ أي : مال عنه .
وقال النضر بن شُمَيْل : خاب ، أَلْغَيْته : خَيَّبته . قال ابن عرفة : اللغو : الشيء المسقط ؛ أي : الْمُلْغى . يقال : لغا يلغو ، ولَغِيَ يَلْغَى .
وفي هذا الحديث ما يدلّ على وجوب الإقبال على استماع الخطبة ، والتجرُّد لذلك ، والإعراض عن كل ما يُشغل عنها ؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ج٢ / ص٤٨٨الآخر : من قال لصاحبه أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب ؛ فقد لغا ، وهو حُجَّة على وجوب الإنصات للخطبة على من كان مستمعًا ، وهو مذهب الجمهور . وذُكر عن الشعبي والنخعي وبعض السلف أنه ليس بواجب إلا عند تلاوة القرآن ، وهذه الأحاديث حجَّة عليهم . واختلف الجمهور فيمن لا يسمع الخطبة : هل يلزمه الإنصات أَوْ لا ؟ فأكثرهم : على أن ذلك لازم .
وقال أحمد والشافعي في أحد قوليه : إنما يلزم من يسمع ، ونحوه عن النخعي . فلو لغا الإمام ، هل يلزم الإنصات أم لا ؟ قولان لأهل العلم ، ولمالك . وقوله : والإمام يخطب ؛ حجة لعامة العلماء : على أنه إنما يجب الإنصات عند شروع الإمام في الخطبة .
وذهب أبو حنيفة : إلى أنَّ الإنصات يجب بخروج الإمام . والبدنة : ما يُهْدَى إلى الكعبة من الإبل ؛ لأنها تَبْدُن ؛ أي : تَسْمَن . والبدانة : السّمنُ ، وعظم البدن .
وتفريقه بين البدنة والبقرة يدل على أن البقر لا يقال عليها بُدنٌ ، وهو مذهب عطاء . ومالك يرى أن البقر من البُدن . وفائدة هذا الخلاف فيمن نذر بدنة ، أو وجبت عليه فلم يجد البدنة ، أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة ، فهل تجزئه أم لا ؟ فعلى مذهب عطاء : لا ، وعلى مذهب مالك : نعم .
وظاهر هذا الحديث يدلّ على أن الأفضل في الهدايا الإبل ، ثم البقر ، ثم الغنم ، وهذا الترتيب لا خلاف فيه في الهدايا ، وإنما اختلفوا في ترتيب الأفضل في الضحايا ، فذهب الجمهور إلى أن الضحايا مثل الهدايا . وذهب مالك إلى أن ج٢ / ص٤٨٩الغنم أفضل ، ثم البقر ، ثم الإبل ؛ نظرًا إلى طيب لحومها ، وإلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بالغنم دائمًا . وإطلاق اسم الهدي على الدجاجة والبيضة مجاز ، قصد به تمثيل مقدار أجور المبكِّرين للجمعة ؛ لأن الهدي إنما هو من النعم ؛ كما قال تعالى : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ وإنما أطلق اسم الهدي على هذين ؛ لمقابلته ما يُهْدَى من الإبل والبقر والغنم .
وقد جاء في الرواية الأخرى : قرَّب مكان أهدى ، وهو لفظ ينطلق على الهدي وغيره .