10 - كِتَاب الْكُسُوفِ 1 - 901 - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ح ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ 2 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ : ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ . وَزَادَ أَيْضًا : ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ . كتاب الكسوف 1 5 بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِيهَا وَمَا عَرَضَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يُقَالُ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكُسِفَا بِضَمِّهَا وَانْكَسَفَا وَخَسَفَا وَخُسِفَا وَانْخَسَفَا بِمَعْنًى . وَقِيلَ : كَسْفُ الشَّمْسِ بِالْكَافِ ، وَخَسْفُ الْقَمَرِ بِالْخَاءِ . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَكْسَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ ، وَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَخَسَفَ الْقَمَرُ ثُمَّ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ يَكُونُ لِذَهَابِ ضَوْئِهِمَا كُلِّهُ ، وَيَكُونُ لِذَهَابِ بَعْضِهِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْإِمَامُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : الْخُسُوفُ فِي الْجَمِيعِ ، وَالْكُسُوفُ فِي بَعْضٍ . وَقِيلَ : الْخُسُوفُ ذَهَابُ لَوْنِهِمَا ، وَالْكُسُوفُ تَغَيُّرُهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رُوِيَتْ عَلَى أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَ مُسْلِمٌ مِنْهَا جُمْلَةً وَأَبُو دَاوُدَ أُخْرَى ، وَغَيْرُهُمَا أُخْرَى ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُسَنُّ فِعْلُهَا جَمَاعَةً ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ فُرَادَى ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا فَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَرُكُوعَانِ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَسَجْدَتَانِ كَغَيْرِهِمَا وَسَوَاءٌ تَمَادَى الْكُسُوفُ أَمْ لَا ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : هُمَا رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ عَمَلًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَسَجْدَتَانِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ . قَالَ : وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ ابْنِ سَمُرَةَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِهِ ، وذكر مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ . قَالَ الْحُفَّاظُ : الرِّوَايَاتُ الْأُوَّلُ أَصَحُّ ، وَرُوَاتُهَا أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ رَكَعَاتٍ ، وَقَدْ قَالَ بِكُلِّ نَوْعٍ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ : هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الرِّوَايَاتِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الْكُسُوفِ ، فَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَأَخَّرَ انْجِلَاءُ الْكُسُوفِ فَزَادَ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَسْرَعَ الِانْجِلَاءُ فَاقْتَصَرَ ، وَفِي بَعْضِهَا تَوَسَّطَ بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّأَخُّرِ فَتَوَسَّطَ فِي عَدَدِهِ ، وَاعْتَرَضَ الْأَوَّلُونَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ تَأَخُّرَ الِانْجِلَاءِ لَا يُعْلَمُ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَلَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ ، مَنْوِيٌّ مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : جَرَتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي أَوْقَاتٍ ، وَاخْتِلَافُ صِفَاتِهَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ ، فَتَجُوزُ صَلَاتُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّابِتَةِ ، وَهَذَا قَوِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الثَّانِي ، فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِقِرَاءَتِهَا فِيهِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ : لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ الثَّانِي وَالرُّكُوعَ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَالرُّكُوعِ ، وَكَذَا الْقِيَامُ الثَّانِي وَالرُّكُوعُ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَقْصَرُ مِنَ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا مِنَ الثَّانِيَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِيَةِ هَلْ هُمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الثَّانِي وَالرُّكُوعِ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ؟ وَيَكُونُ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : ( وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَدُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ) أَمْ يَكُونَانِ سَوَاءً وَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( دُونَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَيْ أَوَّلُ قِيَامٍ وَأَوَّلُ رُكُوعٍ . وَاتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ فِيهِمَا كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ . وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ قِيَامٍ وَأَدَّى طُمَأْنِينَتَهُ فِي كُلِّ رُكُوعٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَفَاتَهُ الْفَضِيلَةُ . وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ السُّجُودِ فَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا : لَا يُطَوِّلُهُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ . وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ : يُسْتَحَبُّ إِطَالَتُهُ نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ . وَيَقُولُ فِي كُلِّ رَفْعٍ مِنْ رُكُوعٍ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَهُ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إِلَى آخِرِهِ . وَالْأَصَحُّ اسْتِحْبَابُ التَّعَوُّذِ فِي ابْتِدَاءِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ قِيَامٍ ، وَقِيلَ : يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُطْبَةِ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ : يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ . وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ . قَوْلُهُ : ( فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا ، وَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ) هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ لَا يُطَوِّلُ السُّجُودَ ، وَحُجَّةُ الْآخَرِينَ الْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَةُ بِتَطْوِيلِهِ ، وَيُحْمَلُ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَيْهَا . وَقَوْلُهُ : ( جِدًّا ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ جِدًّا جِدًّا . قَوْلُهُ : ( بَعْدَ أَنْ وَصَفَ الصَّلَاةَ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَفُوتُ بِالِانْجِلَاءِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ يَكُونُ أَوَّلُهَا الْحَمْدَ لِلَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَفْظَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُتَعَيَّنَةٌ فَلَوْ قَالَ مَعْنَاهَا لَمْ تَصِحَّ خُطْبَتُهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ : ( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْكَلَامَ رَدًّا عَلَيْهِمْ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ بَعْضَ الْجَاهِلِيَّةِ الضُّلَّالَ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَبَيَّنَ أَنَّهُمَا آيَتَانِ مَخْلُوقَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا صُنْعَ لَهُمَا ، بَلْ هُمَا كَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ يَطْرَأُ عَلَيْهِمَا النَّقْصُ وَالتَّغَيُّرُ كَغَيْرِهِمَا ، وَكَانَ بَعْضُ الضُّلَّالِ مِنَ الْمُنَجِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُ : لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ لَا يُغْتَرُّ بِأَقْوَالِهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَادَفَ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ) هُوَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ( إِنْ ) وَإِسْكَانِ النُّونِ أَيْ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ . قَالُوا : مَعْنَاهُ لَيْسَ أَحَدٌ مَنَعَ مِنَ الْمَعَاصِي مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا أَشَدَّ كَرَاهَةً لَهَا مِنْهُ سُبْحَانَهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ) مَعْنَاهُ لَوْ تَعْلَمُونَ مِنْ عِظَمِ انْتِقَامِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْجَرَائِمِ وَشِدَّةِ عِقَابِهِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَمَا عَلِمْتُ ، وَتَرَوْنَ النَّارَ كَمَا رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَلَقَلَّ ضَحِكُكُمْ لِفِكْرِكُمْ فِيمَا عَلِمْتُمُوهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ) مَعْنَاهُ مَا أَمَرْتُ بِهِ مِنَ التَّحْذِيرِ وَالْإِنْذَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُرْسِلَ بِهِ ، وَالْمُرَادُ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى تَحَفُّظِهِ وَاعْتِنَائِهِمْ بِهِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِنْذَارِهِمْ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِيهَا · ص 501 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب كيفية العمل فيها وأنها ركوعان في كل ركعة · ص 551 ( 2 ) باب كيفية العمل فيها ، وأنها ركوعان في كل ركعة ( 901 ) ( 1 و 2 و 3 و 4 و 5 ) [776] - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَقَامَ فَكَبَّرَ ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قِرَاءَةً طَوِيلَةً - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَاسٍ : نَحْوَ سُورَةِ البَقَرَةْ - ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا ، هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ . وَقَالَ أَيْضًا : فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ الله عَنْكُمْ ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي أَتَقَدَّمُ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَ النَبِيَ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ مُنَادِيًا : الصَلاَةُ جَامِعَةُ ، فَاجْتَمَعُوا . وَفِي أُخْرَى : أَنَ النَبِيَ - صلى الله عليه وسلم - جَهَرَ فِي صَلاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ . وَزَادَ في أخرى : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ! إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَر مِنَ الله أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ . يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ! وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلا ، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ ؟ وفِي أُخْرى : رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللهمَّ هَلْ بَلَّغْت . ( 2 ) ومن باب : كيفية العمل فيهما ذهب الجمهور إلى أن صلاة كسوف الشمس ركعتان ، في كل ركعة ركوعان على ما في حديث عائشة رضي الله عنها وما في معناه ، قال أبو عمر : وهذا أصح ما في هذا الباب ، وغيره من الروايات التي خالفته معلولة ضعيفة ، وأما الأحاديث الآتية بعد هذا التي تدل على أن في كل ركعة ثلاث ركوعات ، أو أربع ركوعات ، أو خمس ركوعات على ما في حديث أُبي ، فقد قال بكل حديث منها طائفة من الصحابة وغيرهم ، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن ذلك الاختلاف إنما كان بحسب طول مدة الكسوف وقصرها ، وفي هذا نظر . وقوله : قام فخطب : دليل لمن قال : من سنتها الخطبة ، وهم : الشافعي وإسحاق والطبري ، وفقهاء أصحاب الحديث ، وخالفهم في ذلك مالك وأبو حنيفة ، وقالا : إن هذه الخطبة إنما كان مقصودها زجر الناس عما قالوا من أن الكسوف إنما كان لموت إبراهيم ، وليخبرهم بما شاهد في هذه الصلاة ؛ مما اطلع عليه من الجنة والنار . وقوله : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى ؛ أي : دليلان على وجود الحق سبحانه وقهره ، وكمال الإلهية ، وقد خصهما بالذكر ؛ لما وقع للناس من أنهما يخسفان لموت عظيم ، وهذا إنما صدر عمّن لا علم عنده ، ممن ضعف عقله واختلّ فهمه ، فردّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم جهالتهم ، وتضمّن ذلك الرد على من قال بتأثيرات النجوم ، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان ؛ وهو أن الله - تعالى - يُخوِّف بهما عباده . فإن قيل : فأي تخويف في ذلك والكسوف أمر عادي ؛ بحسب تقابل هذه النيرات وحجب بعضها لبعض ، وذلك يجري مجرى حجب الجسم الكثيف نور الشمس ، عما يقابله من الأرض ، وذلك لا يحصل به تخويف ؟ قلنا : لا نُسلم أن سبب الكسوف ما ادعوه ، ومن أين عرفوا ذلك ؟ بالعقل أم بالنقل ؟ وكل واحد منهما إما بواسطة نظر ، أو بغير واسطة ، ودعوى شيء من ذلك ممنوعة ، وغايتهم أن يقولوا : ذلك مبني على أمور هندسية ورصدية تُفضي بسالكها إلى القطع ، ونحن نمنع أيضًا ما ذكروه إلى القطع ، وهو أول المسألة ، ولئن سلّمنا ذلك جدلا ، لكنا نقول : يحصل بهما تخويف العقلاء من وجوه متعددة ، أوضحها : أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة ، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها ، ولذلك قام - صلى الله عليه وسلم - فزعًا يخشى أن تقوم الساعة . وكيف لا وقد قال الله عز وجل : فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ؟ قال أهل التفسير : جمع بينهما في إذهاب نورهما ، وقيل غير ذلك . وأيضًا فإن كل ما في هذا العالم علويّه وسفليّه دليل على نفوذ قدرة الله ، وتمام قهره ، واستغنائه ، وعدم مبالاته ، وذلك كله يُوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته ؛ كما قال - تعالى - : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وخصّ هنا خسوفهما بالتخويف ؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان ، والنادر العظيم مخوف موجع ، بخلاف ما يكثر وقوعه ، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا ، وأيضًا فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما ، ولما وقع للجهّال من اعتقاد تأثيرهما . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعِدتموه : هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة ، لا رؤية علم ؛ بدليل : أنه رأى في الجنة والنار أقوامًا بأعيانهم ، ونعيمًا ، وقطفًا من عنب ، وتناوله ، وغير ذلك . ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها ، لا سيما على مذاهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خُلقتا ووُجدتا ؛ كما دل عليه الكتاب والسنة ، وذلك أنه راجع إلى أن الله - تعالى - خلق لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إدراكًا خاصًّا به ، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما ، كما قد خلق له إدراكًا لبيت المقدس ، فطفق يخبرهم عن آياته ، وهو ينظر إليه . ويجوز أن يقال : إن الله - تعالى - مثّل له الجنة والنار ، وصوّرهما له في عرض الحائط ؛ كما تتمثل صور المرئيات في المرآة ، ويُعتضد هذا بما رواه البخاري من حديث أنس في غير حديث الكسوف ، قال - صلى الله عليه وسلم - : لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار متمثلتين في قبلة هذا الجدار ، وفي لفظ آخر : عرضت عليَّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي ، وقال فيه مسلم : إني صُوِّرت لي الجنة والنار ، فرأيتهما دون هذا الحائط ، ولا يستبعد هذا من حيث : إن الانطباع في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة ؛ لأنا نقول : إن ذلك شرط عادي لا عقلي ، ويجوز أن تنخرق العادة وخصوصًا في مدة النبوة ، ولو سُلِّم أن تلك الشروط عقلية ، فيجوز أن تكون تلك الأمور موجودة في جسم الحائط ، ولا يُدرِك ذلك إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقطف الثمرة : ما يقطف منها ؛ أي : يقطع ويُجتنى ، وهو هنا عنقود من العنب ؛ كما قد جاء مفسرًا في الرواية الأخرى . ويحطم ؛ أي : يكسر بعضها على بعض كما يفعل البحر . والْحَطْم : الكسر ، ويحتمل أن يريد بذلك : أن بعضها يأكل بعضًا ، وبذلك سميت جهنم : الحطمة . والرجل الحطمة : الأكول . وابن لحي : اسمه عمرو ، ولُحَيٌّ أبوه ، ابن قمعة بن إلياس ، وهو الذي كنّاه في الحديث الآخر بأبي ثمامة ، وسماه : بـ عمرو بن مالك . ولُحَيّ : لقب مالك ، وقد جاء في رواية أخرى : عمرو بن عامر الخزاعي . والله أعلم . وكان عمرو هذا أول من غيّر دين إسماعيل ، فنصب الأوثان ، وبَحّر البحيرة ، وسيّب السائبة ، ووصل الوصيلة ، وحمى الحامي ؛ فيما ذكر ابن إسحاق ، وهو الذي عنى الله بقوله : مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وقد اختُلف في تفسير هذه الأشياء ، فالسائبة : الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر ، سُيِّبت فلم يُركب ظهرها ، ولم يُجَزَّ وبرها ، ولم يَشرب لبنَها إلا ضيفٌ ، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شُقَّت أذنها ، ثم خُلِّي سبيلها مع أمها على حكمها ، وهي البحيرة بنت السائبة ، وسُمِّيت بذلك ؛ لأنها بُحرت أذنها ؛ أي : شُقّت شَقًّا واسعًا ، وهذا قول ابن إسحاق . وقال غيره : السائبة : هي التي ينذزها الرجل أن يسيبها إن برأ من مرضه ، أو أصاب أمرًا يطلبه ، فإذا كان ذلك أسابها فسابت ، لا ينتفع بها . قال ابن إسحاق : والوصيلة : الشاة إذا أَتْأمَتْ عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذَكر ، قالوا : وصلت ، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث ، إلا أن يموت شيء منها فيشترك فيه ذكورهم وإناثهم ، وقال كثير من أهل اللغة : إن الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم ، وإذا ولدت ذكرًا ذبحوه لآلهتهم ، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى لم يذبحوا الذكر ، وقالوا : وصلت أخاها ، فيسيبون أخاها ولا ينتفعون به . والحامي : الفحل إذا رُكِب وَلَدُ ولده ، وقيل : إذا نتج من صلبه عشرة أبطن ؛ قالوا : حمى ظهره ، فلا يُركب ، ولا يُنتفع به ، ولا يُمنع من ماءٍ ولا كلأٍ . وقوله : بعث مناديًا : الصلاة جامعة ، فاجتمعوا ؛ أي : ينادي ، أو يقول ذلك ، ولهذا الحديث استحسن الشافعي أن يقال ذلك في الخسوف . وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة ؛ إذ قال : لا يُجتمع لها ، والكل متفقون على أنه لا يُؤذّنَ لها ولا يقام . وقوله : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهر في صلاة الخسوف بالقراءة ؛ أخذ بظاهر هذا جماعة من السلف ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وأحمد وإسحاق وفقهاء الحديث ، ورواه معن والواقدي عن مالك ؛ فقالوا : يُجهرُ بها في صلاة كسوف الشمس ، ومشهور قول مالك : الإسرارُ فيها ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والليث وسائر أصحاب الرأي ؛ مُتمسكين بقول ابن عباس : أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيها نحو سورة البقرة ، قالوا : ولو جهر لعُلم ما قرأ ، وبما خرّجه النسائي من حديث سمرة بن جندب ، وَوَصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكسوف قال : فصلى ، فقام كأطول قيام قام بنا في الصلاة قط ، ما نسمع له صوتًا ... ، وذكر الحديث . وتأوّلوا الحديث الأول على أنه كان في خسوف القمر بالليل ، وخيَّر الطبري بين الجهر والإسرار ، فأعمل الحديثين . وقوله : يا أمة محمد ! إنْ من أحدٍ أغير من الله : إن نافية بمعنى ما ، ومن زائدة على اسم إن . وأغير بالنصب : خبر إنْ النافية ، فإنها تعمل عمل ما عند الحجازيين ، وعلى التَّميمية : هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو أحد . والغَيْرة في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحق الغيران عندما يُنال شيء من حرمه أو محبوباته ؛ فعمل على صيانتهم ومنعهم . وهذا التغيّر على الله محال ؛ هو مُنزَّه عن كل تغير ونقص ، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم ، وزجر القاصد إليهم ؛ أطلق ذلك على الله - تعالى - ؛ إذ قد زجر وذمّ ونصب الحدود ، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه ، وهذا من التجوّز ، ومن باب تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه ، وقد قررنا نحو هذا المعنى في كتاب الإيمان . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا : يعني ما يعلم هو من أمور الآخرة وشدة أهوالها ، ومما أُعِدّ في النار من عذابها وأنكالها ، ومما أُعِدّ في الجنة من نعيمها وثوابها ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد كان رأى كل ذلك مشاهدة وتحقيقًا ، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - متواصل الأحزان ، قليل الضحك ؛ جلّه التبسم . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ألا هل بلغت ؟ يعني : ما أمر به بتبليغه من الإنذار والتحذير والتنزيل .