بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِيهَا
كِتَاب الْكُسُوفِ 1 - 901 - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ح ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ 2 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ : ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ . وَزَادَ أَيْضًا : ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ . كتاب الكسوف 1 5 بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِيهَا وَمَا عَرَضَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يُقَالُ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكُسِفَا بِضَمِّهَا وَانْكَسَفَا وَخَسَفَا وَخُسِفَا وَانْخَسَفَا بِمَعْنًى .
وَقِيلَ : كَسْفُ الشَّمْسِ بِالْكَافِ ، وَخَسْفُ الْقَمَرِ بِالْخَاءِ . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَكْسَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ ، وَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَخَسَفَ الْقَمَرُ ثُمَّ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ يَكُونُ لِذَهَابِ ضَوْئِهِمَا كُلِّهُ ، وَيَكُونُ لِذَهَابِ بَعْضِهِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْإِمَامُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : الْخُسُوفُ فِي الْجَمِيعِ ، وَالْكُسُوفُ فِي بَعْضٍ .
وَقِيلَ : الْخُسُوفُ ذَهَابُ لَوْنِهِمَا ، وَالْكُسُوفُ تَغَيُّرُهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رُوِيَتْ عَلَى أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَ مُسْلِمٌ مِنْهَا جُمْلَةً وَأَبُو دَاوُدَ أُخْرَى ، وَغَيْرُهُمَا أُخْرَى ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُسَنُّ فِعْلُهَا جَمَاعَةً ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ فُرَادَى ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا فَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَرُكُوعَانِ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَسَجْدَتَانِ كَغَيْرِهِمَا وَسَوَاءٌ تَمَادَى الْكُسُوفُ أَمْ لَا ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : هُمَا رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ عَمَلًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَسَجْدَتَانِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ . قَالَ : وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ ابْنِ سَمُرَةَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِهِ ، وذكر مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ . قَالَ الْحُفَّاظُ : الرِّوَايَاتُ الْأُوَّلُ أَصَحُّ ، وَرُوَاتُهَا أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ رَكَعَاتٍ ، وَقَدْ قَالَ بِكُلِّ نَوْعٍ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ : هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الرِّوَايَاتِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الْكُسُوفِ ، فَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَأَخَّرَ انْجِلَاءُ الْكُسُوفِ فَزَادَ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَسْرَعَ الِانْجِلَاءُ فَاقْتَصَرَ ، وَفِي بَعْضِهَا تَوَسَّطَ بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّأَخُّرِ فَتَوَسَّطَ فِي عَدَدِهِ ، وَاعْتَرَضَ الْأَوَّلُونَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ تَأَخُّرَ الِانْجِلَاءِ لَا يُعْلَمُ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَلَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ ، مَنْوِيٌّ مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : جَرَتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي أَوْقَاتٍ ، وَاخْتِلَافُ صِفَاتِهَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ ، فَتَجُوزُ صَلَاتُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّابِتَةِ ، وَهَذَا قَوِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الثَّانِي ، فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِقِرَاءَتِهَا فِيهِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ : لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ الثَّانِي وَالرُّكُوعَ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَالرُّكُوعِ ، وَكَذَا الْقِيَامُ الثَّانِي وَالرُّكُوعُ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَقْصَرُ مِنَ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا مِنَ الثَّانِيَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِيَةِ هَلْ هُمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الثَّانِي وَالرُّكُوعِ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ؟ وَيَكُونُ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : ( وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَدُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ) أَمْ يَكُونَانِ سَوَاءً وَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( دُونَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَيْ أَوَّلُ قِيَامٍ وَأَوَّلُ رُكُوعٍ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ فِيهِمَا كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ . وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ قِيَامٍ وَأَدَّى طُمَأْنِينَتَهُ فِي كُلِّ رُكُوعٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَفَاتَهُ الْفَضِيلَةُ . وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ السُّجُودِ فَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا : لَا يُطَوِّلُهُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ .
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ : يُسْتَحَبُّ إِطَالَتُهُ نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ . وَيَقُولُ فِي كُلِّ رَفْعٍ مِنْ رُكُوعٍ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَهُ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إِلَى آخِرِهِ . وَالْأَصَحُّ اسْتِحْبَابُ التَّعَوُّذِ فِي ابْتِدَاءِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ قِيَامٍ ، وَقِيلَ : يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُطْبَةِ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ : يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ . وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ . قَوْلُهُ : ( فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا ، وَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ) هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ لَا يُطَوِّلُ السُّجُودَ ، وَحُجَّةُ الْآخَرِينَ الْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَةُ بِتَطْوِيلِهِ ، وَيُحْمَلُ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَيْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( جِدًّا ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ جِدًّا جِدًّا . قَوْلُهُ : ( بَعْدَ أَنْ وَصَفَ الصَّلَاةَ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَفُوتُ بِالِانْجِلَاءِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ يَكُونُ أَوَّلُهَا الْحَمْدَ لِلَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَفْظَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُتَعَيَّنَةٌ فَلَوْ قَالَ مَعْنَاهَا لَمْ تَصِحَّ خُطْبَتُهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ : ( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْكَلَامَ رَدًّا عَلَيْهِمْ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ بَعْضَ الْجَاهِلِيَّةِ الضُّلَّالَ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَبَيَّنَ أَنَّهُمَا آيَتَانِ مَخْلُوقَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا صُنْعَ لَهُمَا ، بَلْ هُمَا كَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ يَطْرَأُ عَلَيْهِمَا النَّقْصُ وَالتَّغَيُّرُ كَغَيْرِهِمَا ، وَكَانَ بَعْضُ الضُّلَّالِ مِنَ الْمُنَجِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُ : لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ لَا يُغْتَرُّ بِأَقْوَالِهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَادَفَ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ) هُوَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ( إِنْ ) وَإِسْكَانِ النُّونِ أَيْ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ . قَالُوا : مَعْنَاهُ لَيْسَ أَحَدٌ مَنَعَ مِنَ الْمَعَاصِي مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا أَشَدَّ كَرَاهَةً لَهَا مِنْهُ سُبْحَانَهُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ) مَعْنَاهُ لَوْ تَعْلَمُونَ مِنْ عِظَمِ انْتِقَامِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْجَرَائِمِ وَشِدَّةِ عِقَابِهِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَمَا عَلِمْتُ ، وَتَرَوْنَ النَّارَ كَمَا رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَلَقَلَّ ضَحِكُكُمْ لِفِكْرِكُمْ فِيمَا عَلِمْتُمُوهُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ) مَعْنَاهُ مَا أَمَرْتُ بِهِ مِنَ التَّحْذِيرِ وَالْإِنْذَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُرْسِلَ بِهِ ، وَالْمُرَادُ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى تَحَفُّظِهِ وَاعْتِنَائِهِمْ بِهِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِنْذَارِهِمْ .