[ 49 ] ( 943 ) - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلًا ، فَزَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ " . قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمًا ، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلًا ؛ فَزَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلى عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ ) . قَوْلُهُ : ( غَيْرِ ) طَائِلٍ أَيْ : حَقِيرٍ غَيْرِ كَامِلِ السَّتْرِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ " هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْقَبْرِ لَيْلًا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ ، فَقِيلَ : سَبَبُهُ أَنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا يَحْضُرهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَحْضُرُهُ فِي اللَّيْلِ إِلَّا أَفْرَادٌ . وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ لِرَدَاءَةِ الْكَفَنِ فَلَا يَبِينُ فِي اللَّيْلِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ . قَالَ الْقَاضِي : الْعِلَّتَانِ صَحِيحَتَانِ ، قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَهُمَا مَعًا ، قَالَ : وَقَدْ قِيلَ هَذَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ ) دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الدَّفْنِ فِي اللَّيْلِ ، فَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَّا لِضَرُورَةٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُسْتَدَلُّ لَهُ بِهِ ، وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ : لَا يُكْرَهُ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ دُفِنُوا لَيْلًا مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ ، وَبِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ ، وَالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ ، فَتُوُفِّيَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا ، وَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : تُوُفِّيَ لَيْلًا فَدَفَنَّاهُ فِي اللَّيْلِ ، فَقَالَ : " أَلَا آذَنْتُمُونِي ؟ " قَالُوا : كَانَتْ ظُلْمَةٌ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ . وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُجَرَّدِ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ ، وَإِنَّمَا نَهَى لِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، أَوْ لِقِلَّةِ الْمُصَلِّينَ ، أَوْ عَنْ إِسَاءَةِ الْكَفَنِ ، أَوْ عَنِ الْمَجْمُوعِ كَمَا سَبَقَ . وَأَمَّا الدَّفْنُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِيهَا . فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُكْرَهَانِ إِلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ التَّأْخِيرُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ سَبَبٍ ، بِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمَالِكِيِّ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ وَالِاصْفِرَارِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَوْ تَغِيبَ إِلَّا أَنْ يُخْشَى عَلَيْهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ وَنِصْفِ النَّهَارِ . وَكَرِهَ اللَّيْثُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ . وَفِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِإِحْسَانِ الْكَفَنِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِإِحْسَانِهِ السَّرَفُ فِيهِ وَالْمُغَالَاةُ وَنَفَاسَتُهُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ : نَظَافَتُهُ وَنَقَاؤُهُ وَكَثَافَتُهُ وَسَتْرُهُ وَتَوَسُّطُهُ ، وَكَوْنُهُ مِنْ جِنْسِ لِبَاسِهِ فِي الْحَيَاةِ غَالِبًا ، لَا أَفْخَرَ مِنْهُ وَلَا أَحْقَرَ . وَقَوْلُهُ : ( فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ ، فَتْحِ الْفاء وَإِسْكَانِهَا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . قَالَ الْقَاضِي : وَالْفَتْحُ أَصْوَبُ وَأَظْهَرُ وَأَقْرَبُ إِلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب نَهْيِ النِّسَاءِ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وغسل الميت · ص 12 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في تكفين الميت وتسجيته والأمر بتحسين الكفن · ص 601 ( 943 ) [811] - وَعَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلا ، فَزَجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ ، إِلا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ . وقوله " في كفن غير طائل " ؛ أي لا خطر له ولا قيمة ، أو لا ستْرَ فيه ولا كفاية ، أو لا نظافة له ولا نقاوة . وقوله " زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقبر الرجل بالليل " أخذ به الحسن ، فكره أن يقبر الرجل بالليل إلا لضرورة . وذهب الجمهور إلى جواز ذلك ، وكأنهم رأوا أن ذلك النهي خاصٌّ بذلك الرجل لئلا تفوته صلاة النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : يمكن أن يقصدوا بدفنه بالليل ستر إساءة ذلك الكفن الغير طائل . قال الشيخ رحمه الله : وهذه التأويلات فيها بُعد ، ولا تصلح لدفع ذلك الظاهر ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما صدر عنه النهي المطلق بعد دفن الرجل بالليل ، فقد تناول النهي غيره قطعًا ؛ فتأمّله ! ويمكن أن يعضد مذهب الحسن بأنه إن قبر ليلا قلّ المصلُّون عليه ؛ لأن عادة الناس في الليل ملازمة بيوتهم ، ولا يتصرَّفون فيه ، ولأنه إذا قبر في الليل تسومح في الكفن ؛ لأن الليل يستره . ودلّ على صحَّته قوله صلى الله عليه وسلم في آخره : إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه - ضبطه أبو بحر " كفْنه " بسكون الفاء ، وغيره بفتحها يعني الكفن نفسه ، وهو الأولى ، والله أعلم .