[37] - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ ، قَالَ : وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ " . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ضَبَطُوا ( سَحَّاءُ ) بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : سَحَّاءٌ بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْمَصْدَرِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهُرُ ، وَالثَّانِي : حَكَاهُ الْقَاضِي ( سَحَّاءُ ) بِالْمَدِّ عَلَى الْوَصْفِ ، وَوَزْنُهُ فَعَلَاءُ صِفَةٌ لِلْيَدِ ، وَالسَّحُّ : الصَّبُّ الدَّائِمُ ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِ . وَمَعْنَى ( لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ ) أَيْ لَا يَنْقُصُهَا ، يُقَالُ : غَاضَ الْمَاءُ وَغَاضَهُ اللَّهُ ، لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ : هَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمُنَاسِبَةِ لِلشِّمَالِ لَا يُوصَفُ بِهَا الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ الشِّمَالِ ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّحْدِيدَ ، وَيَتَقَدَّسُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ التَّجْسِيمِ وَالْحَدِّ ، وَإِنَّمَا خَاطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَفْهَمُونَهُ ، وَأَرَادَ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْقُصُهُ الْإِنْفَاقُ ، وَلَا يُمْسِكُ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ جَلَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ . وَعَبَّرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَوَالِي النِّعَمِ بِسَحِّ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ الْبَاذِلَ مِنَّا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْأَشْيَاءِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ ضَعْفًا وَقُوَّةً ، وَأَنَّ الْمَقْدُورَاتِ تَقَعُ بِهَا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا تَخْتَلِفُ قُوَّةً وَضَعْفًا كَمَا يَخْتَلِفُ فِعْلُنَا بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَمُشَابَهَةِ الْمُحْدَثِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ قُدْرَتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَفْعَلُ بِهَا الْمُخْتَلِفَاتِ ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِينَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِيَدَيْنِ ، عَبَّرَ عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ بِالْيَدَيْنِ لِيُفْهِمَهُمُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ بِمَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْخِطَابِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ : ( لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ : نَصْبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَرَفْعُهُمَا ، النَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِ ، وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : ( الْفَيْضُ ) بِالْفَاءِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ . وَالثَّانِي : ( الْقَبْضُ ) بِالْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ بِالْقَافِ ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ ، قَالَ : وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَالْمَعْرُوفُ ، قَالَ : وَمَعْنَى الْقَبْضِ الْمَوْتُ ، وَأَمَّا الْفَيْضُ - بِالْفَاءِ - ، فَالْإِحْسَانُ وَالْعَطَاءُ وَالرِّزْقُ الْوَاسِعُ ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْقَبْضِ بِالْقَافِ أَيِ الْمَوْتُ ، قَالَ الْبَكْرَاوِيُّ : وَالْفَيْضُ : الْمَوْتُ . قَالَ الْقَاضِي : قَيْسٌ : يَقُولُونَ : فَاضَتْ نَفْسُهُ - بِالضَّادِ - إِذَا مَاتَ ، وَطَيٌّ يَقُولُونَ : فَاظَتْ نَفْسُهُ بِالظَّاءِ . وَقِيلَ : إِذَا ذُكِرَتِ النَّفْسُ فَبِالضَّادِ ، وَإِذَا قِيلَ : فَاظَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ النَّفْسِ فَبِالظَّاءِ . وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ " . فَقَدْ يَكُونُ عِبَارَةً عَنِ الرِّزْقِ وَمَقَادِيرِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ جُمْلَةِ الْمَقَادِيرِ . وَمَعْنَى ( يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ) قِيلَ : هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ الرِّزْقِ يَقْتُرُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، وَيُوسِعُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، وَقَدْ يَكُونَانِ عِبَارَةً عَنْ تَصَرُّفِ الْمَقَادِيرِ بِالْخَلْقِ بِالْعِزِّ وَالذُّلِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بِالْخَلَفِ · ص 66 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الحض على الصدقة والنفقة على العيال والأقربين · ص 36 993 [860] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ( إِنَ اللهَ قَالَ لِي : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ) . وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( يَمِينُ اللهِ مَلأَى لا يَغِيضُهَا ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ ، قَالَ : وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْقَبْضَ ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ ) وقوله : ( يمين الله ملأى ) ؛ كذا صحت الرواية ، وهي الصواب . ومن رواها ملآن فقد أخطأ ، فإن اليمين اسم اليد ، واليد مؤنثة . ونسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية ، عُبِّر بها عن كثرة العطاء ، والقدرة عليه ، [وحمل على هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم] ، ومنه قوله تعالى : لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ واليد : عبارة عن القدرة ، وتسميتها باليمين: على ما تعارفناه فيما بيننا من أن القوة والبطش والتصرف إنما هو باليمين ؛ ولأنه مشتق من اليمن والبركة . وكذلك قال في حديث آخر : ( وكلتا يديه يمين ) ؛ نافيًا لتوّهم النقص والقصور في حقه تعالى . وكذلك كل ما أطلق على الله تعالى ؛ مما يدل على الجوارح والأعضاء ؛ كالأعين والأيدي والجنب والأصبع ، وغير ذلك مما يلزم من ظاهره التجسيم ، الذي تدل العقول بأوائلها على استحالته ، فهي كلها متأولة في حقه تعالى ؛ لاستحالة حملها على ظواهرها . وقوله : ( سحاء ) بالمد والهمز والرفع ، على أنه خبر بعد خبر . و الليل والنهار منصوبان على الظرف ، متعلقان بما في سحاء من معنى الفعل ، وهي الرواية المشهورة . وعند أبي بحر : سحاء منصوبًا منوَّنا على أنه مصدر صدره محذوف ، يدل عليه قوة الكلام ، كأنه قال : تَسُحّ سحًّا . ويكون من باب قوله : ما إن تَمَسَّ الأرض إلا منكب منه وحرف الساق طيَّ المحمل والسح : الصبّ الكثير ، كما قال امرؤ القيس : فدمعهما سَكْبٌ وسحٌّ وديمة . . . . . . . . . . . . . ويغيضها : ينقصها . يقال : غاض الماء ، وغضته ، متعديا ولازما . وفاعله مضمر تدل عليه المشاهدة . تقديره : لا ينقصها شيء . وقد جاء هذا المضمر مظهرا في رواية ابن نمير . فقال : لا يغيضها شيء . ووقع عند الطبري في حديث عبد الرزاق : لا يغيضها سحُّ الليل والنهار ، برفع سح على أنه فاعل يغيضها . وخفض الليل والنهار بالإضافة: على التوسع ، كما قالوا : يا سارقَ الليلةِ أهل الدار . وقوله : ( وعرشه على الماء ) : العَرش: السرير في أصل اللغة ، وهو من الرفع كما تقدّم . وليس معناه في حق الله تعالى السرير ، ولا الْمَحَلّ ؛ إذ لو كان كذلك لكان محمولاً ، ولكان مفتقرًا ، ويلزم منه حدوثه ، وإنما العرش المضاف إليه عبارة عن موجود عظيم ، هو أعظم المخلوقات . خلقه الله على الماء ، فاستولى عليه ، بمعنى : أنه سخَّره كيف شاء . قال كعب في قوله تعالى : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ إن الله تعالى بدأ الخلق ياقوتة خضراء ، فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء ، ثم خلق عرشه عليه . وقال ابن عباس : وكان عرشه على الماء ؛ أي : فوقه ؛ إذ لم يخلق سماء ولا أرضًا . وظاهر هذا الحديث : أن العرش حالة إخباره - صلى الله عليه وسلم - هو على الماء كما قال كعب ، وظاهر كلام ابن عباس : أنه لما خلق السماوات والأرض ، أضيفت فوقية العرش إليهما . وقوله : ( وبيده الأخرى القبض ) ؛ ولم يقل اليسرى ، ولا الشمال ، اجتنابًا لما تضمنته ألفاظهما ، ونفيًا لتوهم النقص ؛ ولذلك قال : ( وكلتا يديه يمين ) . ويفهم من إضافة اليدين إليه تعالى : قدرته على [المخلوقات] . والقيض - بالقاف والياء باثنتين من أسفل . والقبض في الرواية الأولى : هو نقيض البسط ، ولذلك اكتفى بذكره عن البسط ، وصار هذا كقوله : ( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) ، اكتفى به عن ذكر نقيضه ، وهو الشرّ . ويكون هذا الحديث مثل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ؛ أي : يقبض الأرزاق ، والأرواح ، والقلوب ، والأمور كلها ، بالقبض اللائق بها . ويبسطها ببسطها اللائق بها . وقوله : ( يرفع ويخفض ) ؛ أي : يعلي ويضع ، ويعز ويذل ، ويفعل ما يريد من الشيء ونقيضه .