[109] 1044 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ يَحْيَى : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ ، حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ : تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ فِيهَا ، فَقَالَ : " أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا " قَالَ : ثُمَّ قَالَ : " يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ : رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ : سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ : سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا " . ( 36 ) بَاب مَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِمُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ أَلِفٍ مُوَحَّدَةٍ . قَوْلُهُ : ( تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً ) هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ ، وَهِيَ الْمَالُ الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ الْإِنْسَانُ أَيْ يَسْتَدِينُهُ وَيَدْفَعُهُ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، كَالْإِصْلَاحٍ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، وَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَدِينَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى تُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ) أَوْ قَالَ : سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ( الْقِوَامُ وَالسِّدَادُ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالسِّينِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ مَا يُغْنِي مِنَ الشَّيْءِ وَمَا تُسَدُّ بِهِ الْحَاجَةُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَدَدْتَ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ ( سِدَادٌ ) بِالْكَسْرِ ، وَمِنْهُ : سِدَادُ الثَّغْرِ وَالْقَارُورَةِ . وَقَوْلُهُمْ : ( سِدَادٌ مِنْ عَوَزٍ ) . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ( يَقُومَ ثَلَاثَةٌ ) وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْ يَقُومُونَ بِهَذَا الْأَمْرِ فَيَقُولُونَ : لَقَدْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ( وَالْحِجَا ) مَقْصُورٌ وَهُوَ الْعَقْلُ ، وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ قَوْمِهِ ) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِبَاطِنِهِ ، وَالْمَالُ مِمَّا يَخْفَى فِي الْعَادَةِ فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِصَاحِبِهِ ، وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحِجَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ التَّيَقُّظُ فَلَا تُقْبَلُ مِنْ مُغَفَّلٍ ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هُوَ شَرْطٌ فِي بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : يُقْبَلُ مِنْ عَدْلَيْنِ كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ غَيْرَ الزِّنَا ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِهِ وَالْإِعْسَارِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْمَالِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ( سُحْتًا ) . وَرِوَايَةُ غَيْرِ مُسْلِمٍ : ( سُحْتٌ ) وَهَذَا وَاضِحٌ ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ ، وَفِيهِ إِضْمَارُ أَيْ : أَعْتَقِدُهُ سُحْتًا ، أَوْ يُؤْكَلُ سُحْتًا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب مَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ · ص 109 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب من تحل له المسألة · ص 86 ( 21 ) باب من تحل له المسألة ؟ 1044 [911] عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلالِيِّ قَالَ : تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ : ( أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لك بِهَا قَالَ : ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ : ( إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ : رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ قَالَ : سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ، حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ : لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ قَالَ : سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ ، يَا قَبِيصَةُ ! سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا ) . ( 21 ) ومن باب: من تحلُّ له المسألة قوله : تحمّلت حمالة ؛ أي : ألزمتها نفسي . والحمالة : ما لزم الإنسان تحمله من غرم أو دية . وكانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرمًا في دية أو غيرها ، قام أحدهم فتبرّع بالتزام ذلك ، والقيام به ؛ حتى ترتفع تلك الثائرة ، ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق ، ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم . وكانت العرب لكرمها إذا علمت بأن أحدًا تحمّل حمالة بادروا إلى معونته ، وأعطوه ما يتمّ به وجه مكرمته ، وتبرأ به ذمته ، ولو سأل المتحمل في تلك الحمالة لم يُعَد ذلك نقصًا ، بل شرفًا وفخرًا ، ولذلك سأل هذا الرجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حمالته التي تحمّلها على عاداتهم ، فأجابه - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة ، ووعده النبي - صلى الله عليه وسلم - بمال من الصدقة ؛ لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات . وقوله : ( إن المسألة لا تحل [إلا] لأحد ثلاثة ) ؛ لما قرّر النبي - صلى الله عليه وسلم - منع قاعدة المسألة من الناس ، بما تقدّم من الأحاديث ، وبمبايعتهم على ذلك ، وكانت الحاجات والفاقات تنزل بهم ، فيحتاجون إلى السؤال ، بيّن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من يَخْرج من عموم تلك القاعدة ، وهم هؤلاء الثلاثة . و الجائحة : ما اجتاحت المال وأتلفته إتلافًا ظاهرًا ، كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو ، وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا . و الفاقة : الفقر . والقوام - بكسر القاف - : ما يقوم به العيش ، وبفتحها : الاعتدال . والسِّداد - بكسر السين - : ما يُسدّ به الشيء ، كسد القارورة ، وبفتحها : الإصابة . وقوله : ( حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَى من قومه : لقد أصابت فلانًا فاقة ) ؛ أي : يقوم ثلاثة فيقولون : لقد أصابت فلانا فاقة ، وفي كتاب أبي داود : حتى يقول باللام من القول ، فلا يحتاج إلى تقدير محذوف . و الحجى : العقل . واشترطه ؛ لأن من عدمه لا يحصل بقوله ثقة ، ولا يصلح للشهادة ، أو لعلّه عبّر به عما يشترط في المخبر والشاهد من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم ، ويكون الموصوف بها عدلاً مرضيًا . وقوله : ( من قومه ) ؛ لأنهم أعلم بدخيلة أمره ، واستظهر بالثالث ليلحق بالمنتشر . ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا ؛ لظهور أمر الجائحة ، فأما الفاقة فتخفى . وقوله : ( حتى يصيبها ثم يمسك ، وحتى يصيب قوامًا ) ؛ فيه حد الإباحة إلى زوال الموجب لها ، ثم عوده إلى الأصل السابق الممنوع . وقوله : ( فما سواهن من المسألة سحت ) ، السُّحت : الحرام ، وسمي به ؛ لأنه يسحت ويمحق ، وفيه لغتان : سكون الحاء وضمها . وروايتنا في سحت الأول الرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو ما الموصولة . وقد وقع لبعضهم سحتًا بالنصب ، وليس وجهه ببيِّن . وهو عائدٌ على الحالات الثلاثة ، لا على لفظ الثلاث فإنها للذكور . وقوله : ( فما سواهن سحت ) ؛ أي : ما سوى هؤلاء الثلاثة ، ثم هو بعد ذلك مخصوص بحديث سمرة الذي خرّجه أبو داود مرفوعًا : ( المسائل كدوح يكدح الرجل بها وجهه ، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان ، أو في أمر لا يجد منه بدًّا ) ، وما تدعو الحاجة والضرورة إلى المسألة فيه [يزيد] على الثلاثة المذكورين في هذا الحديث الذي نحن باحثون فيه .