[144] - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا ، قَالَ : فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ : بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ . قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ؟ قَالَ : فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الْإِزَارِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اتَّقِ اللَّهَ . فَقَالَ : وَيْلَكَ ، أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ؟ قَالَ : ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ، فَقَالَ : لَا ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي . قَالَ خَالِدٌ : وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ . قَالَ : ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ ، فَقَالَ : إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ . قَالَ : أَظُنُّهُ قَالَ : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ . [145] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ ، وَقَالَ : نَاتِئُ الْجَبْهَةِ ، وَلَمْ يَقُلْ : نَاشِزُ ، وَزَادَ : فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدٌ سَيْفُ اللَّهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ قَالَ : لَا ، فَقَالَ : إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ لَيِّنًا رَطْبًا ، وَقَالَ : قَالَ عُمَارَةُ : حَسِبْتُهُ قَالَ : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ . [146] وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ : بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ : زَيْدُ الْخَيْرِ ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ ، أَوْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ . وَقَالَ : نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَرِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ . قَوْلُهُ : ( فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ ) أَيْ مَدْبُوغٍ بِالْقَرَظِ . قَوْلُهُ : ( لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا ) أَيْ لَمْ تُمَيَّزْ . قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : ( وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ) . قَالَ الْعُلَمَاءُ : ذِكْرُ ( عَامِرٍ ) هُنَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ هَذَا بِسِنِينَ ، وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ كَمَا هُوَ مَجْزُومٌ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ) مَعْنَاهُ : إِنِّي أُمِرْتُ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ . وَفِي الْحَدِيثِ : هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ مُقَفٍّ ) أَيْ مُوَلٍّ قَدْ أَعْطَانَا قَفَاهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى لَيِّنًا رَطْبًا ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( لَيِّنًا ) بِالنُّونِ أَيْ سَهْلًا ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ ( لَيًّا ) بِحَذْفِ النُّونِ ، وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ رِوَايَةُ أَكْثَرِ شُيُوخِهِمْ ، قَالَ : وَمَعْنَاهُ سَهْلًا لِكَثْرَةِ حِفْظِهِمْ ، قَالَ : وَقِيلَ : ( لَيًّا ) أَيْ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِهِ أَيْ يُحَرِّفُونَ مَعَانِيَهُ وَتَأْوِيلَهُ ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ مِنَ اللَّيِّ فِي الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْمَيْلُ ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب إعطاء المؤلفة ومن يخاف على إيمانه لم يعط واحتمال من سأل بجفاء لجهله وبيان الخوارج وأحكامهم · ص 132 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب يَجِبُ الرضا بما قسم رسول الله وبما أعطى ويكفر من نَسبَ إليه جَوْرًَا وذكر الخوارج · ص 111 1064 ( 144 ) [931] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ : بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ ، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا قَالَ : فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ : بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بدر ، وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاءِ ، قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : ( أَلا تَأْمَنُونِي ؟ وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ مَسَاءً وَصَبَاحًا قَالَ : فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ ، كَثُّ اللِّحْيَةِ ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! اتَّقِ اللهَ . فَقَالَ : ( وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ ؟ قَالَ : ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ . فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : يَا رَسُولَ اللهِ! أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ فَقَالَ : ( لا . لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي قَالَ خَالِدٌ : وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ ، وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ) قَالَ : ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقــفٍّ فَقَالَ : ( إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، قَالَ : أَظُنُّهُ قَالَ : ( لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ ) . وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( فَمَنْ يُطِيع اللهَ إِنْ عَصَيْتُهُ ؟ ! أَيَأْمَنُنِي الله عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلا تَأْمَنُونِي ؟ وَفِيهَا : ( إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ ) . وقوله : ( بَذَهَبة في أديم مقروظ ) ؛ الذهبة : تأنيث الذهب . وكأنه ذهب به إلى معنى القطعة ، أو الجملة . والأديم : الجلد . والمقرظ : المدبوغ بالقَرَظ ، وهو شجر يدبغ به . وقوله : والرابع إما علقمة ، وإما عامر ، هذا شكّ ، وهو وهَمٌ . وذكر عامر هنا خطأ ، فإن عامرًا هلك قبل ذلك بسنين ، ولم يدرك هذا الحين . والصواب : علقمة بن علاثة ، كما جاء في الحديث الآخر من غير شك . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا أمينُ من في السماء ) ؛ لا حجة فيه لمن يرى : أن الله مختص بجهة فوق ؛ لما تقدم من استحالة الجسمية ، وأيضًا : فيحتمل أن يراد بمن في السماء ) : الملائكة ، فإنه أمين عندهم ، معروف بالأمانة . والسماء بمعنى العلو والرفعة المعنوية . وهكذا القول في قوله تعالى : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ وقد تقدّم أن التسليم في المشكلات أسلم . و( مشرف الوجنتين ) : مرتفعهما . و( كث اللحية ) : كثيفها ، قصير شعرها ، يقال : رجلٌ كث اللحية ، بَيِّنُ الكثاثة والكثوثة ، وأَكَثّ . و( ناشز الجبهة ) : باديها ومرتفعها . و( مُقــف ) : مولٍ قــفاه . وفي هذا الحديث : أن خالدًا قال : يا رسول الله! ألا أضرب عنقه . وفي حديث جابر : أن عمر بن الخطاب قال : دعني يا رسول الله ، فأقتل هذا المنافق . لا إشكال فيه ؛ إذ الجمع ممكن ، بأن يكون كل واحد منهما قال ذلك . وأجيب كل واحد منهما بغير ما أجيب به الآخر ، والله أعلم . وقوله : ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) ، وفي الأخرى : ( قتل ثمود ) ، ووجه الجمع : أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كليهما ، فذكر أحد الرواة أحدهما ، وذكر الآخرُ الآخرَ . ومعنى هذا : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقتلهم قتلاً عامًا ؛ بحيث لا يبقي منهم أحدًا في وقت واحد ، لا يؤخر قتل بعضهم عن بعض ، ولا يقيل أحدًا منهم ، كما فعل الله بعاد ؛ حيث أهلكهم بالريح العقيم ، وبثمود حيث أهلكهم بالصيحة . وقوله : ( لعله أن يكون يصلي ) ؛ هو مردود للمعنى الذي قدّمناه ؛ من أنه إنما امتنع من قتله ؛ لئلا يُتَحدَّث : أنه يقتل أصحابه المصلّين ، فيكون ذلك مُنَفِّرًا ، وإلا فقد صدر عنه ما يوجب قتله لولا المانع . وقوله : ( لم أومر أن أنقب على قلوب الناس ) ؛ أي : إنما أُمرت أن آخذ بظواهر أمورهم ، وأكل بواطنهم إلى الله تعالى . وهذا كما قال : ( أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) . وقوله : ( يتلون كتاب الله رطبًا ) ؛ فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الحذق بالتلاوة ، والمعنى : أنهم يأتون به على أحسن أحواله . والثاني : يواظبون على تلاوته ، فلا تزال ألسنتهم رطبة به . والثالث : أن يكون من حسن الصوت بالقراءة . وقوله : ( يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ) ؛ هذا منه - صلى الله عليه وسلم - إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه ، فكان دليلاً من أدلة نبوّته - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك : أنهم لما حكموا بكفر مَن خرجوا عليه من المسلمين ، استباحوا دماءهم ، وتركوا أهل الذمة ، وقالوا : نَفِي لهم بذمتهم ، وعدلوا عن قتال المشركين ، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين . وهذا كله من آثار عبادات الجهّال ، الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم ، ولم يتمسكوا بحبل وثيق ، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق . وكفى بذلك: أنّ مُقَدَّمهم ردّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَه ، ونسبه إلى الجور ، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه لا يتصوّر الظلم والجوّر في حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كما لا يتصوّر في حق الله تعالى ؛ إذ الموجودات كلها ملك لله تعالى ، ولا يستحق أحد عليه حقًّا ، فلا يُتصوّر في حقه شيء من ذلك . والرسول - صلى الله عليه وسلم - مبلغ حكم الله تعالى ، فلا يُتصوّر في حقه من ذلك ما لا يتصور في حق مرسله . ويكفيك من جهلهم وغلوّهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصحَّة إيمانه ، وبأنه من أهل الجنة ، كعليّ وغيره [من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مع ما وقع في الشريعة ، وعلم على القطع والثبات من شهادات الله ورسوله لهم ، وثنائه على عليّ والصحابة عمومًا وخصوصًا] .