باب يَجِبُ الرضا بما قسم رسول الله وبما أعطى ويكفر من نَسبَ إليه جَوْرًَا وذكر الخوارج
( 144 ) [931] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ : بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ ، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا قَالَ : فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ : بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بدر ، وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاءِ ، قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : ( أَلا تَأْمَنُونِي ؟ وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ مَسَاءً وَصَبَاحًا قَالَ : فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ ، كَثُّ اللِّحْيَةِ ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! اتَّقِ اللهَ . فَقَالَ : ( وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ ؟ قَالَ : ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ . فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : يَا رَسُولَ اللهِ! أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ فَقَالَ : ( لا .
لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي قَالَ خَالِدٌ : وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ ، وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ) قَالَ : ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقــفٍّ فَقَالَ : ( إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، قَالَ : أَظُنُّهُ قَالَ : ( لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ ) . وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( فَمَنْ يُطِيع اللهَ إِنْ عَصَيْتُهُ ؟ ! أَيَأْمَنُنِي الله عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلا تَأْمَنُونِي ؟ وَفِيهَا : ( إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ ) .
وقوله : ( بَذَهَبة في أديم مقروظ ) ؛ الذهبة : تأنيث الذهب . وكأنه ذهب به إلى معنى القطعة ، أو الجملة . والأديم : الجلد .
والمقرظ : المدبوغ بالقَرَظ ، وهو شجر يدبغ به . وقوله : والرابع إما علقمة ، وإما عامر ، هذا شكّ ، وهو وهَمٌ . وذكر عامر هنا خطأ ، فإن عامرًا هلك قبل ذلك بسنين ، ولم يدرك هذا الحين .
والصواب : علقمة بن علاثة ، كما جاء في الحديث الآخر من غير شك . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا أمينُ من في السماء ) ؛ لا حجة فيه لمن يرى : أن الله مختص بجهة فوق ؛ لما تقدم من استحالة الجسمية ، وأيضًا : فيحتمل أن يراد بمن في السماء ) : الملائكة ، فإنه أمين عندهم ، معروف بالأمانة . والسماء بمعنى العلو والرفعة المعنوية .
وهكذا القول في قوله تعالى : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ وقد تقدّم أن التسليم في المشكلات أسلم . و( مشرف الوجنتين ) : مرتفعهما . و( كث اللحية ) : كثيفها ، قصير شعرها ، يقال : رجلٌ كث اللحية ، بَيِّنُ الكثاثة والكثوثة ، وأَكَثّ .
و( ناشز الجبهة ) : باديها ومرتفعها . و( مُقــف ) : مولٍ قــفاه . وفي هذا الحديث : أن خالدًا قال : يا رسول الله! ألا أضرب عنقه .
وفي حديث جابر : أن عمر بن الخطاب قال : دعني يا رسول الله ، فأقتل هذا المنافق . لا إشكال فيه ؛ إذ الجمع ممكن ، بأن يكون كل واحد منهما قال ذلك . وأجيب كل واحد منهما بغير ما أجيب به الآخر ، والله أعلم .
وقوله : ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) ، وفي الأخرى : ( قتل ثمود ) ، ووجه الجمع : أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كليهما ، فذكر أحد الرواة أحدهما ، وذكر الآخرُ الآخرَ . ومعنى هذا : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقتلهم قتلاً عامًا ؛ بحيث لا يبقي منهم أحدًا في وقت واحد ، لا يؤخر قتل بعضهم عن بعض ، ولا يقيل أحدًا منهم ، كما فعل الله بعاد ؛ حيث أهلكهم بالريح العقيم ، وبثمود حيث أهلكهم بالصيحة . وقوله : ( لعله أن يكون يصلي ) ؛ هو مردود للمعنى الذي قدّمناه ؛ من أنه إنما امتنع من قتله ؛ لئلا يُتَحدَّث : أنه يقتل أصحابه المصلّين ، فيكون ذلك مُنَفِّرًا ، وإلا فقد صدر عنه ما يوجب قتله لولا المانع .
وقوله : ( لم أومر أن أنقب على قلوب الناس ) ؛ أي : إنما أُمرت أن آخذ بظواهر أمورهم ، وأكل بواطنهم إلى الله تعالى . وهذا كما قال : ( أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) . وقوله : ( يتلون كتاب الله رطبًا ) ؛ فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الحذق بالتلاوة ، والمعنى : أنهم يأتون به على أحسن أحواله .
والثاني : يواظبون على تلاوته ، فلا تزال ألسنتهم رطبة به . والثالث : أن يكون من حسن الصوت بالقراءة . وقوله : ( يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ) ؛ هذا منه - صلى الله عليه وسلم - إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه ، فكان دليلاً من أدلة نبوّته - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك : أنهم لما حكموا بكفر مَن خرجوا عليه من المسلمين ، استباحوا دماءهم ، وتركوا أهل الذمة ، وقالوا : نَفِي لهم بذمتهم ، وعدلوا عن قتال المشركين ، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين .
وهذا كله من آثار عبادات الجهّال ، الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم ، ولم يتمسكوا بحبل وثيق ، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق . وكفى بذلك: أنّ مُقَدَّمهم ردّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَه ، ونسبه إلى الجور ، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه لا يتصوّر الظلم والجوّر في حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كما لا يتصوّر في حق الله تعالى ؛ إذ الموجودات كلها ملك لله تعالى ، ولا يستحق أحد عليه حقًّا ، فلا يُتصوّر في حقه شيء من ذلك . والرسول - صلى الله عليه وسلم - مبلغ حكم الله تعالى ، فلا يُتصوّر في حقه من ذلك ما لا يتصور في حق مرسله .
ويكفيك من جهلهم وغلوّهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصحَّة إيمانه ، وبأنه من أهل الجنة ، كعليّ وغيره [من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مع ما وقع في الشريعة ، وعلم على القطع والثبات من شهادات الله ورسوله لهم ، وثنائه على عليّ والصحابة عمومًا وخصوصًا] .