[75] 1109 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ . ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُصُّ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ : مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لِأَبِيهِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ، ثُمَّ يَصُومُ قَالَ : فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ مَرْوَانُ : عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ ، قَالَ : فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ : فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : هُمَا أَعْلَمُ ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ الْفَضْلِ ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ ، قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ : أَقَالَتَا فِي رَمَضَانَ ؟ قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ . ( 13 ) باب صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ : مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ ، قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لِأَبِيهِ ؛ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى آخِرِهِ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لِأَبِيهِ ) وَهُوَ صَحِيحٌ مَلِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ : ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَوْلُهُ : ( لِأَبِيهِ ) بَدَلٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِإِعَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ ، قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ ( فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِأَبِيهِ ) وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ ؛ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْحَارِثَ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ وَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي وِلَايَةِ مَرْوَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَالْحَارِثُ تُوُفِّيَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا وَيُتِمُّ صَوْمَهُ ، رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ رَوَاهُ عَنِ الْفَضْلِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَعَلَّ سَبَبَ رُجُوعِهِ أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَانِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، وَتَأَوَّلَ أَحَدَهُمَا وَهُوَ قَوْلُهُ : ( مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : ( أَفْطَرَ ) فَتَأَوَّلَهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَوْجُهِ فِي تَأْوِيلِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهَذَا مُتَأَوَّلٌ رَجَعَ عَنْهُ ، وَكَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَعْلَمُ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْقُرْآنِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْأَكْلَ وَالْمُبَاشَرَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ وَالْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ : الْجِمَاعُ ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْجِمَاعُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُصْبِحَ جُنُبًا ، وَيَصِحَّ صَوْمُهُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَإِذَا دَلَّ الْقُرْآنُ وَفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا ؛ وَجَبَ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ الْفَضْلِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا : أَنَّهُ إِرْشَادٌ إِلَى الْأَفْضَلِ ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَلَوْ خَالَفَ جَازَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا ، وَجَوَابُهُمْ عَنِ الْحَدِيثِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُونُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَفْضَلَ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُهُ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَيَكُونُ فِي حَقِّهِ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْبَيَانَ لِلنَّاسِ ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ ، وَهَذَا كَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثَّلَاثَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ . وَطَافَ عَلَى الْبَعِيرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَافَ سَاعِيًا أَفْضَلُ ، وَهُوَ الَّذِي تَكَرَّرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي : لَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ مُجَامِعًا فَاسْتَدَامَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَالِمًا ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَلَا صَوْمَ لَهُ . وَالثَّالِثُ : جَوَابُ ابْنِ الْمُنْذِرِ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْسُوخٌ ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ كَانَ الْجِمَاعُ مُحَرَّمًا فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ ، كَمَا كَانَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ مُحَرَّمًا ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَكَانَ يُفْتِي بِمَا عَلِمَهُ حَتَّى بَلَغَهُ النَّاسِخُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا : ( يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ) هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ الِاحْتِلَامِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ ، الْأَشْهَرُ امْتِنَاعُهُ ، قَالُوا : لِأَنَّهُ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ ، وَهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْهُ ، وَيَتَأَوَّلُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ ، وَلَا يَجْنُبُ مِنَ احْتِلَامٍ ؛ لِامْتِنَاعِهِ مِنْهُ ، وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَتْلَهُمْ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ . قَوْلُهُ : ( عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَيْ أَمَرْتُكَ أَمْرًا جَازِمًا عَزِيمَةً مُحَتَّمَةً ، وَأَمْرُ وُلَاةِ الْأُمُورِ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ . قَوْلُهُ : ( فَرَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ) فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " أَخْبَرَنِيهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ " وَفِي رِوَايَةٍ " أَخْبَرَنِيهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ " فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الْفَضْلِ ، وَأُسَامَةَ . أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ : فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ هَذِهِ الْأَمْصَارِ عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ الْجُنُبِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ إِبْطَالُهُ ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَقِيلَ : لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ : أَنَّهُ يُجْزِيهِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ ، وَحُكِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ : يَصُومُهُ وَيَقْضِيهِ ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هَذَا الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ عَلَى صِحَّتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَفِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَهْلِ الْأُصُولِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مُخَالِفٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ اغْتِسَالِهِمَا صَحَّ صَوْمُهُمَا ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمَا إِتْمَامُهُ ، سَوَاءٌ تَرَكَتْ الْغُسْلَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ ، كَالْجُنُبِ . هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا لَا نَعْلَمُ صَحَّ عَنْهُ أَمْ لَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ · ص 179 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب صوم من أدركه الفجر وهو جنب · ص 165 ( 8 ) باب صوم من أدركه الفجر وهو جنب 1109 ( 75 ) [976] عَنْ أَبِي بَكْرٍ بن عبد الرحمن ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ ، يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا َصومْ له قال : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ، ثُمَّ يَصُومُ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ . قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ . قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لك ؟ قَال: نَعَمْ . قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ . ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ الْفَضْلِ ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ . 1109 [977] وعن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُوم . ( 1110 ) [978] وعنها أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَفْتِيهِ ، وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي . ( 8 ) ومن باب: صوم من أدركه الفجر وهو جنب قوله : ( سمعت أبا هريرة يقص ) ؛ أي : يتتبع الأحاديث والأخبار ، ويذكرها ، ويُعلِّم العِلم . وقوله : ( من أدركه الفجر جنبًا فلا صوم له ) ؛ هذه الفتيا من أبي هريرة ، وهو قوله الأول . وقد اختلف في ذلك : فروي عن الحسن بن صالح مثل قول أبي هريرة . وعن الحسن والنخعي : لا يجزئه إذا أصبح عالِمًا بجنابته ، وإن لم يعلم أجزأه . وروي عن الحسن والنخعي : لا يجزئه في الفرض ، ويجزئه في النفل . وروي عن الحسنين : يصومه ويقضيه . ومذهب الجمهور ، وهو الصحيح : الأخذ بحديث أم سلمة وحديثي عائشة الآتيين . ومقتضاها : أن صوم الجنب صحيح . وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ؛ فإنه لما مدَّ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم : أن الفجر يطلع عليه وهو جنب ، وإنما يتأتى الغسل بعد الفجر . وفي معنى هذه المسألة : الحائض تطهر قبل الفجر ، وتترك التطهر حتى تصبح ، فجمهورهم على وجوب تمام الصوم عليها وإجزائه ، سواء تركته عمدًا ، أو سهوًا . وشذَّ محمد بن مسلمة فقال : لا يجزئها ، وعليها القضاء والكفارة . وهذا في المفرطة المتوانية ، فأما التي رأت الطهر فبادرت ، فطلع الفجر قبل تمامه ، فقد قال مالك : هي كمن طلع عليها وهي حائض ، يومها يوم فطر ، وقاله عبد الملك . وقد ذكر بعضهم قول عبد الملك هذا في المتوانية . وهو أبعد من قول ابن مسلمة . وقولهما : ( كان يصبح جنبًا من غير حلم ) ؛ يفيد فائدتين : إحداهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجامع ويؤخر غسله حتى يطلع الفجر ، ليبين المشروعية ، كما قال : ( عمدًا فعلته يا عمر ) . وثانيهما : دفع توهم من يتوهم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحتلم في منامه ، فإن الحلم من الشيطان ، والله قد عصمه منه . وقول أبي هريرة : ( هما أعلم ) ؛ يدل على رجوعه في قوله الأول . وقد صرَّح بالرِّجوع في آخر الحديث . وقوله : ( ثم رده إلى الفضل ) ؛ يعني بذلك : أنه سمعه من الفضل ، كما قد نص عليه بعد . وفي النسائي : أنه سمعه من أسامة بن زيد . وهذا محمول على أنه سمعه منهما . وحديث الفضل وأسامة كان متقدِّمًا . قال بعض العلماء : كان ذلك في أول الإسلام ، في الوقت الذي كان الحكم فيه : أن إذا نام بالليل حرم عليه الأكل والشرب والنكاح أن يمد ذلك إلى طلوع الفجر ، كما جاء في البخاري من حديث البراء بن عازب في قصة قيس بن صِرْمَة . وعلى الجملة : فذلك الحكم متروك عند جمهور العلماء بظاهر القرآن ، وبصحيح الأحاديث . والخلاف فيه من قبيل الخلاف الشاذ المتقدم .