باب صوم من أدركه الفجر وهو جنب
( 8 ) باب صوم من أدركه الفجر وهو جنب 1109 ( 75 ) [976] عَنْ أَبِي بَكْرٍ بن عبد الرحمن ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ ، يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا َصومْ له قال : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ، ثُمَّ يَصُومُ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ . قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ . قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لك ؟ قَال: نَعَمْ .
قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ . ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ الْفَضْلِ ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .
قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ . 1109 [977] وعن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُوم . ( 1110 ) [978] وعنها أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَفْتِيهِ ، وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي .
ج٣ / ص١٦٦( 8 ) ومن باب: صوم من أدركه الفجر وهو جنب قوله : ( سمعت أبا هريرة يقص ) ؛ أي : يتتبع الأحاديث والأخبار ، ويذكرها ، ويُعلِّم العِلم . وقوله : ( من أدركه الفجر جنبًا فلا صوم له ) ؛ هذه الفتيا من أبي هريرة ، وهو قوله الأول . وقد اختلف في ذلك : فروي عن الحسن بن صالح مثل قول أبي هريرة .
وعن الحسن والنخعي : لا يجزئه إذا أصبح عالِمًا بجنابته ، وإن لم يعلم أجزأه . وروي عن الحسن والنخعي : لا يجزئه في الفرض ، ويجزئه في النفل . وروي عن الحسنين : يصومه ويقضيه .
ومذهب الجمهور ، وهو الصحيح : الأخذ بحديث أم سلمة وحديثي عائشة الآتيين . ومقتضاها : أن صوم الجنب صحيح . وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ؛ فإنه لما مدَّ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم : أن الفجر يطلع عليه وهو جنب ، وإنما يتأتى الغسل بعد الفجر .
وفي معنى هذه المسألة : الحائض تطهر قبل الفجر ، وتترك التطهر حتى تصبح ، فجمهورهم على وجوب تمام الصوم عليها وإجزائه ، سواء تركته عمدًا ، أو سهوًا . وشذَّ محمد بن مسلمة فقال : لا يجزئها ، وعليها القضاء والكفارة . وهذا في المفرطة المتوانية ، فأما التي رأت الطهر ج٣ / ص١٦٧فبادرت ، فطلع الفجر قبل تمامه ، فقد قال مالك : هي كمن طلع عليها وهي حائض ، يومها يوم فطر ، وقاله عبد الملك .
وقد ذكر بعضهم قول عبد الملك هذا في المتوانية . وهو أبعد من قول ابن مسلمة . وقولهما : ( كان يصبح جنبًا من غير حلم ) ؛ يفيد فائدتين : إحداهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجامع ويؤخر غسله حتى يطلع الفجر ، ليبين المشروعية ، كما قال : ( عمدًا فعلته يا عمر ) .
وثانيهما : دفع توهم من يتوهم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحتلم في منامه ، فإن الحلم من الشيطان ، والله قد عصمه منه . وقول أبي هريرة : ( هما أعلم ) ؛ يدل على رجوعه في قوله الأول . وقد صرَّح بالرِّجوع في آخر الحديث .
ج٣ / ص١٦٨وقوله : ( ثم رده إلى الفضل ) ؛ يعني بذلك : أنه سمعه من الفضل ، كما قد نص عليه بعد . وفي النسائي : أنه سمعه من أسامة بن زيد . وهذا محمول على أنه سمعه منهما .
وحديث الفضل وأسامة كان متقدِّمًا . قال بعض العلماء : كان ذلك في أول الإسلام ، في الوقت الذي كان الحكم فيه : أن إذا نام بالليل حرم عليه الأكل والشرب والنكاح أن يمد ذلك إلى طلوع الفجر ، كما جاء في البخاري من حديث البراء بن عازب في قصة قيس بن صِرْمَة . وعلى الجملة : ج٣ / ص١٦٩فذلك الحكم متروك عند جمهور العلماء بظاهر القرآن ، وبصحيح الأحاديث .
والخلاف فيه من قبيل الخلاف الشاذ المتقدم .