باب ما جاء فِي الْقُبْلَة للصائم
[975] وعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: سَلْ هَذِهِ - لِأُمِّ سَلَمَةَ - فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصْنَعُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ . وقوله : ( قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك ) ؛ قول من خطر بباله : أنه يلزم من كونه مغفورًا له مسامحته في بعض الممنوعات ، وهذا الخاطر مهما أصغي إليه لزم منه إسقاط التكاليف ، وكذلك قد يقع مثله أيضًا عند سماع قوله - صلى الله عليه وسلم - في حق التائب بعد الثالثة : ( اعمل ما شئت فقد غفرت لك ) .
وهذا الخاطر باطل بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( إني لأتقاكم لله وأشدُّكم له خشية ) ، وبدليل الإجماع المعلوم : على أن التكاليف لا تسقط عمن حصلت له شروطها . وإنما محمل هذه الظواهر الموجبة للغفران في المستقبل على المعونة على الطاعات ، والحفظ عن المخالفات ، بحيث لا تقع الذنوب منه فيما يأتي ، ويصح أن يعبر عن هذا المعنى بالمغفرة ؛ لأن المغفرة هي الستر ، وهذا قد ستر بالطاعات عن المعاصي ؛ بحيث لا تقع منه ، أو لأن حاله حال المغفور له ، من حيث إنه لا ذنب له ، والله تعالى أعلم . وقوله : ( إني لأتقاكم لله وأخشاكم له ) ؛ أي : لأكثركم تقوى .
وقد قدمنا : أن التقوى بمعنى الوقاية . والخشية : الخوف . وقد فرق بعض الناس بينهما .
فقال : الخشية أشد الخوف . وقيل : الخوف : التطلع لنفس الضرر ، والخشية : التطلع لفاعل الضرر . وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس لله خشية ؛ لأنه أعظمهم له معرفة .