باب كفارة من أفطر متعمدا في رمضان
( 9 ) باب كفارة من أفطر متعمدا في رمضان 1111 [979] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ( وَمَا أَهْلَكَكَ ) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ: ( هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً ؟ ) قَالَ: لَا قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ: لَا . قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ ، فَقَال: تَصَدَّقْ بِهَذَا قَالَ: على أَفْقَرَ مِنَّا ؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ . ( 9 ) ومن باب: كفارة من أفطر متعمدًا في رمضان ( قول المجامع في رمضان : هلكت! احترقت! ) ؛ استدل به الجمهور على أنه كان متعمدًا ، وقصروا الكفارة على المتعمد دون الناسي ، وهو مشهور قول مالك وأصحابه .
وذهب أحمد ، وبعض أهل الظاهر ، وعبد الملك ، وابن حبيب : إلى إيجابها على الناسي . وروي ذلك عن عطاء ومالك متمسكين بترك استفسار النبي - صلى الله عليه وسلم - السائل ، وإطلاق الفتيا مع هذا الاحتمال . وهذا كما قاله الشافعي في الأصول : ترك الاستفصال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال .
وهذا ضعيف ؛ لأنه يمكن أن يقال : إنه ترك استفصاله لأنه قد تبين حاله ، وهو : أنه كان عامدًا ، كما يدل عليه ظاهر قوله : ( هلكت ! واحترقت ) . ج٣ / ص١٧٠وقوله : ( هل تجد ما تعتق رقبة ) ، رقبة : نصب على البدل من ( ما ) الموصولة ، وهي مفعولة بتجد . وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الكافرة ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وجواز المعيبة ، وهو مذهب داود ، والجمهور على خلافهما ؛ فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة بالإيمان ، بدليل تقييدها به في كفارة القتل ، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد ، المعروفة في الأصول ، وبدليل : أن مقصود الشرع الأول بالعتق تخليص الرِّقاب من الرق ؛ ليتفرغوا إلى عبادة الله ، ولنصر المسلمين .
وهذا المعنى مفقود في حق الكافر ، وقد دلَّ على صحة هذا المعنى قوله في حديث السوداء : ( أعتقها فإنها مؤمنة ) . وأما العيب : فنقص في المعنى وفي القيمة ، فلا يجوز له ؛ لأنه في معنى عتق الجزء كالثلث ، والربع . وهو ممنوع بالاتفاق .
وقوله : ( فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ ) تستطيع : تقوى وتقدر . والتتابع : التوالي . وهو حجة للجمهور في اشتراط التتابع في الكفارة على ابن أبي ليلى ؛ إذ لم يشترطه .
وقوله : ( فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا ) ؛ حجة للجمهور في اشتراط عدد الستين على الحسن ؛ إذ قال : يطعم أربعين . وعلى أبي حنيفة ؛ إذ يقول بجواز إعطاء طعام ستين مسكينًا لمسكين واحد . وهو أصله في هذا الباب .
ج٣ / ص١٧١وقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي : ( اجلس ) ؛ انتظار منه لوجه يتخلص به مما حصل فيه ، أو ليوحى إليه في ذلك . وقوله : ( فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرَق فيه تمر ) ؛ العرَق ، بفتح الراء لا غير ، وسُمِّي بذلك لأنه جمع عرقة ، وهي الظفيرة من الخوص ، وهو الزِّنبيل ، بكسر الزاي على رواية الطبري ، وبفتح الزاي لغيره ، وهما صحيحان . وسُمِّي بذلك لأنه يحمل فيه الزبل ، ذكره ابن دريد .
وهذا العرق تقديره عندهم : خمسة عشر صاعًا ، وهو مفسر في الحديث ، وقد تقدَّم : أن الصاع أربعة أمداد . فيكون مبلغ أمداد العرق ستين مدًّا ، ولهذا قال الجمهور : إن مقدار ما يدفع لكل مسكين من الستين مُدّ . وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة ، والثوري ؛ إذ قالا : لا يجزئ أقل من نصف صاع لكل مسكين .
وقوله : ( تصدَّق بهذا ) ؛ يلزم منه أن يكون قد ملكه إياه ؛ ليتصدق به عن كفارته ، ويكون هذا كقول القائل : أعتقت عبدي عن فلان ، فإنه يتضمن سبقية الملك عند قوم . وأباه أصحابنا ، مع الاتفاق على أن الولاء للمعتق عنه ، وأن الكفارة تسقط بذلك . وقوله : ( على أفقر منا ؟ ) هو محذوف همزة الاستفهام .
تقديره : أَعَلَى أفقر منا ؟ والمجرور متعلق بمحذوف تقديره : أنتصدق به على أحدٍ أفقر منا ؟ وقد جاء في طريق أخرى : بحذف على ، والرواية فيه حينئذ بالنصب على إضمار الفعل : أتجد أفقر منا ؟ وقد يجوز رفعه على خبر مبتدأ ؛ أي : أأحدٌ أفقر منا ؟ واللابتان : حرتا المدينة ، وقد تقدم . وضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - تعجب من حاله ، وسرعة ج٣ / ص١٧٢قسمه ، وإغيائه في ذلك . والأنياب : جمع ناب ، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا ، وهي : أربعة .
وقوله: ( اذهب فأطعمه أهلك ) ؛ تخيل قوم من هذا الكلام سقوط الكفارة عن هذا الرجل . فقالوا : هو خاص به . وليس فيه ما يدل على ذلك .
بل نقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بين له ما يترتب على جنايته من الكفارة لزم الحكم ، وتقرر في الذمِّة ، ثم لما تبين من حال هذا : أنه عاجز عن الكفارة سقط عنه القيام بما لا يقدر عليه في تلك الحال ، وبقي الحكم في الذمة على ما رتبه أولاً ، فبقيت الكفارة عليه إلى أن يستطيع شيئًا من خصالها . وهذا مذهب الجمهور ، وأئمة الفتوى . وقد ذهب الأوزاعي ، وأحمد : إلى أن حكم من لم يجد الكفارة من سائر الناس سقوطها عنه .
ولم يتعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث لقضاء ذلك اليوم ، ولذلك قال بسقوط القضاء عنه طائفة من أهل العلم . وأنه ليس عليه إلا الكفارة . والجمهور على لزوم القضاء مع الكفارة ؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يفعله ، فهو باقٍ عليه ، كالصلوات وغيرها إذا لم تُفْعَل بشروطها .
ويتم النظر في هذا الحديث برسم مسائل اختلف فيها : الأولى : إن هذه الكفارة هل هي على الجاني وحده ؟ وهذا كما هو مذهب الجمهور . أو عنه وعن موطوءته ؟ كما صار إليه الشافعي وأهل الظاهر . وليس في الحديث ما يدل على ذلك ، لكن الحديث إنما تعرض للرَّجل ، وسكت عن المرأة ، فيؤخذ حكمها من دليل آخر .
ولعله إنما سكت عنها؛ لأنها كانت غير صائمة ؛ لأنها طهرت من حيضتها في أضعاف اليوم ، أو كتابية . وعلى الجملة : فحالها مجهول ، ولا سبيل إلى التحكم بأنها كانت مكرهة ، أو مختارة أو غير ذلك . ج٣ / ص١٧٣ومشهور مذهب مالك في المكرهة : أن مكرهها يكفر عنها ؛ لأنه هتكَ صومين بالنسبة إليها وإليه .
فكأنه هتك يومين . قال سحنون : لا شيء عليه لها ولا عليها . وبه قال أبو ثور ، وابن المنذر ، ولم يختلف المذهب في أن عليها القضاء .
المسألة الثانية : إن قوله : ( هل تجد ؟ ) وبعده : ( فهل تستطيع ؟ ) وبعده : ( فهل تجد ما تطعم ؟ ) ظاهر هذا : الترتيب في هذه الخصال . بدليل عطف الجمل بالفاء المرتبة المعقبة . وإليه ذهب الشافعي ، والكوفيون ، وابن حبيب من أصحابنا .
وذهب مالك وأصحابه : إلى التخيير في ذلك ، إلا أنه استحب الإطعام لشدَّة الحاجة إليه ، وخصوصًا بالحجاز . واستدل أصحابنا لمذهبهم بحديث أبي هريرة الآتي بعد هذا ، وهو : أنه قال : أفطر رجل في رمضان فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة ، أو يصوم شهرين ، أو يطعم ستين مسكينًا . فخيره بـ ( أو ) التي هي موضوعة للتخيير .
المسألة الثالثة : هذه الكفارة ، هل هي خاصة بمن أفطر بالجماع ؟ وهو مذهب الشافعي ، وأحمد ، وجماعة من السَّلف ، أو هل يلحق بذلك كل هاتك لصوم نهار رمضان بأي وجه كان من أكل ، أو شرب ، أو غيره ؟ وهو مذهب مالك وجماعة . واستدل أصحابنا بحديث أبي هريرة الآتي ، وبالنظر إلى المعنى . وتحقيقه في الفروع ، وبسط ذلك في الفقه .
المسألة الرابعة : ذهب جمهورهم : إلى أن الكفارة ثلاثة أنواع ، كما جاء في الحديث . وذهب الحسن وعطاء : إلى أن المكفر إن لم يجد رقبة أهدى بدنة إلى مكة . قال عطاء : أو بقرة .
وتمسَّكوا بما رواه مالك في " الموطأ " من مرسل سعيد بن المسيب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ ) قال : لا . قال : ( فهل تستطيع أن تهدي بدنة ؟ ) قال : لا . والصحيح: المسند من الأحاديث ، وليس ج٣ / ص١٧٤فيه شيء من ذلك .