بَاب تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّائِمِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الْكُبْرَى فِيهِ وَبَيَانِهَا وَأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ وَتَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ [81] 1111 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، قَالَ يَحْيَى : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَمَا أَهْلَكَكَ ؟ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ ، قَالَ : هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ ، فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا ، قَالَ : أَفْقَرَ مِنَّا فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ . حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَقَالَ : بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ ، وَهُوَ الزِّنْبِيلُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ . ( 14 ) بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّائِمِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الْكُبْرَى فِيهِ وَبَيَانِهَا وَأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ وَتَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ فِي الْبَابِ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُجَامِعِ امْرَأَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا جِمَاعًا أَفْسَدَ بِهِ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَصَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنَ ، فَإِنْ عَجَزَ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ ، فَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنِ اسْتَطَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ حَدِيثَ هَذَا الْمُجَامِعِ ظَاهِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِعَجْزِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْكَفَّارَةَ ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّتِهِ ، بَلْ أَذِنَ لَهُ فِي إِطْعَامِ عِيَالِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ - : أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَسْقُطُ ، بَلْ تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ ، حَتَّى يُمَكَّنَ ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ ، وَالْمُؤَاخَذَاتِ ، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ اسْتِقْرَارِ الْكَفَّارَةِ ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِقْرَارِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَفَّارَةِ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ ، ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقِ التَّمْرِ ، فَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهِ ، فَلَوْ كَانَتْ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِخْرَاجِهِ ، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِهَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي إِطْعَامِ عِيَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا وَمُضْطَرًّا إِلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى عِيَالِهِ فِي الْحَالِ ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى التَّرَاخِي ، فَأَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ وَإِطْعَامِ عِيَالِهِ ، وَبَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِيهَا أَقْوَالٌ وَتَأْوِيلَاتٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ . وَأَمَّا الْمُجَامِعُ نَاسِيًا فَلَا يُفْطِرُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ خِلَافٌ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : يُفْطِرُ وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ : يَجِبُ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ ، دَلِيلُنَا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحَّ أَنَّ أَكْلَ النَّاسِي لَا يُفْطِرُ ، وَالْجِمَاعُ فِي مَعْنَاهُ ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْكَفَّارَةِ فِي الْجِمَاعِ ، فَإِنَّمَا هِيَ فِي جِمَاعِ الْعَامِدِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي بَعْضِهَا : ( هَلَكْتُ ) ، وَفِي بَعْضِهَا : ( احْتَرَقْتُ . احْتَرَقْتُ ) وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَامِدٍ ، فَإِنَّ النَّاسِيَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً ) ( رَقَبَةً ) مَنْصُوبٌ بَدَلٌ مِنْ ( مَا ) . قَوْلُهُ : ( فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَاللُّغَةِ ، وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ ، ثُمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِنَا وَغَيْرُهُمْ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ . قَالَ : وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ ، وَيُقَالُ : لِلْعَرَقِ : ( الزَّبِيلُ ) بِفَتْحِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ نُونٍ ( وَالزِّنْبِيلُ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَزِيَادَةِ نُونٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : ( الْقُفَّةُ ) و ( الْمِكْتَلُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ ، وَ ( السَّفِيفَةُ ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءَيْنِ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : سُمِّيَ ( زَبِيلًا ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ فِيهِ الزِّبْلُ ، وَالْعَرَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا يَسْعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَهِيَ سِتُّونَ مُدًّا لِسِتِّينَ مِسْكِينًا ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَفْقَرَ مِنَّا ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ ( أَفْقَرَ ) بِالنَّصْبِ ، وَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ : أَتَجِدُ أَفْقَرَ مِنَّا ، أَوْ أَتُعْطِي ، قَالَ : وَيَصِحُّ رَفْعُهُ عَلَى تَقْدِيرِ : هَلْ أَحَدٌ أَفْقَرُ مِنَّا ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَعْدَهُ : ( أَغْيَرُنَا ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ ، وَيَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى مَا سَبَقَ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَقَدْ ضَبَطْنَا الثَّانِيَ بِالنَّصْبِ أَيْضًا ، فَهُمَا جَائِزَانِ كَمَا سَبَقَ تَوْجِيهُهُمَا . قَوْلُهُ : ( فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ) هُمَا الْحَرَّتَانِ ، وَالْمَدِينَةُ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ ، وَ ( الْحَرَّةُ ) الْأَرْضُ الْمُلْبِسَةُ حِجَارَةً سَوْدَاءَ ، وَيُقَالُ : لَابَةٌ ، وَلُوبَةٌ ، وَنَوْبَةٌ بِالنُّونِ ، حَكَاهُنَّ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْجَوْهَرِيُّ ، وَمَنْ لَا يُحْصَى مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، قَالُوا : وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسْوَدِ : لُوبِيٌّ ، وَنُوبِيٌّ بِاللَّامِ وَالنُّونِ ، قَالُوا : وَجَمْعُ اللَّابَةِ : لُوَبٌ ، وَلَابٌ ، وَلَابَاتٌ ، وَهِيَ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ الزِّنْبِيلُ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الزَّايِ وَبَعْدَهَا نُونٌ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّائِمِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الْكُبْرَى فِيهِ وَبَيَانِهَا · ص 182 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب كفارة من أفطر متعمدا في رمضان · ص 169 ( 9 ) باب كفارة من أفطر متعمدا في رمضان 1111 [979] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ( وَمَا أَهْلَكَكَ ) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ: ( هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً ؟ ) قَالَ: لَا قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ: لَا . . . . . . . . قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ ، فَقَال: تَصَدَّقْ بِهَذَا قَالَ: على أَفْقَرَ مِنَّا ؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ . ( 9 ) ومن باب: كفارة من أفطر متعمدًا في رمضان ( قول المجامع في رمضان : هلكت! احترقت! ) ؛ استدل به الجمهور على أنه كان متعمدًا ، وقصروا الكفارة على المتعمد دون الناسي ، وهو مشهور قول مالك وأصحابه . وذهب أحمد ، وبعض أهل الظاهر ، وعبد الملك ، وابن حبيب : إلى إيجابها على الناسي . وروي ذلك عن عطاء ومالك متمسكين بترك استفسار النبي - صلى الله عليه وسلم - السائل ، وإطلاق الفتيا مع هذا الاحتمال . وهذا كما قاله الشافعي في الأصول : ترك الاستفصال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال . وهذا ضعيف ؛ لأنه يمكن أن يقال : إنه ترك استفصاله لأنه قد تبين حاله ، وهو : أنه كان عامدًا ، كما يدل عليه ظاهر قوله : ( هلكت ! واحترقت ) . وقوله : ( هل تجد ما تعتق رقبة ) ، رقبة : نصب على البدل من ( ما ) الموصولة ، وهي مفعولة بتجد . وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الكافرة ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وجواز المعيبة ، وهو مذهب داود ، والجمهور على خلافهما ؛ فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة بالإيمان ، بدليل تقييدها به في كفارة القتل ، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد ، المعروفة في الأصول ، وبدليل : أن مقصود الشرع الأول بالعتق تخليص الرِّقاب من الرق ؛ ليتفرغوا إلى عبادة الله ، ولنصر المسلمين . وهذا المعنى مفقود في حق الكافر ، وقد دلَّ على صحة هذا المعنى قوله في حديث السوداء : ( أعتقها فإنها مؤمنة ) . وأما العيب : فنقص في المعنى وفي القيمة ، فلا يجوز له ؛ لأنه في معنى عتق الجزء كالثلث ، والربع . وهو ممنوع بالاتفاق . وقوله : ( فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ ) تستطيع : تقوى وتقدر . والتتابع : التوالي . وهو حجة للجمهور في اشتراط التتابع في الكفارة على ابن أبي ليلى ؛ إذ لم يشترطه . وقوله : ( فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا ) ؛ حجة للجمهور في اشتراط عدد الستين على الحسن ؛ إذ قال : يطعم أربعين . وعلى أبي حنيفة ؛ إذ يقول بجواز إعطاء طعام ستين مسكينًا لمسكين واحد . وهو أصله في هذا الباب . وقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي : ( اجلس ) ؛ انتظار منه لوجه يتخلص به مما حصل فيه ، أو ليوحى إليه في ذلك . وقوله : ( فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرَق فيه تمر ) ؛ العرَق ، بفتح الراء لا غير ، وسُمِّي بذلك لأنه جمع عرقة ، وهي الظفيرة من الخوص ، وهو الزِّنبيل ، بكسر الزاي على رواية الطبري ، وبفتح الزاي لغيره ، وهما صحيحان . وسُمِّي بذلك لأنه يحمل فيه الزبل ، ذكره ابن دريد . وهذا العرق تقديره عندهم : خمسة عشر صاعًا ، وهو مفسر في الحديث ، وقد تقدَّم : أن الصاع أربعة أمداد . فيكون مبلغ أمداد العرق ستين مدًّا ، ولهذا قال الجمهور : إن مقدار ما يدفع لكل مسكين من الستين مُدّ . وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة ، والثوري ؛ إذ قالا : لا يجزئ أقل من نصف صاع لكل مسكين . وقوله : ( تصدَّق بهذا ) ؛ يلزم منه أن يكون قد ملكه إياه ؛ ليتصدق به عن كفارته ، ويكون هذا كقول القائل : أعتقت عبدي عن فلان ، فإنه يتضمن سبقية الملك عند قوم . وأباه أصحابنا ، مع الاتفاق على أن الولاء للمعتق عنه ، وأن الكفارة تسقط بذلك . وقوله : ( على أفقر منا ؟ ) هو محذوف همزة الاستفهام . تقديره : أَعَلَى أفقر منا ؟ والمجرور متعلق بمحذوف تقديره : أنتصدق به على أحدٍ أفقر منا ؟ وقد جاء في طريق أخرى : بحذف على ، والرواية فيه حينئذ بالنصب على إضمار الفعل : أتجد أفقر منا ؟ وقد يجوز رفعه على خبر مبتدأ ؛ أي : أأحدٌ أفقر منا ؟ واللابتان : حرتا المدينة ، وقد تقدم . وضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - تعجب من حاله ، وسرعة قسمه ، وإغيائه في ذلك . والأنياب : جمع ناب ، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا ، وهي : أربعة . وقوله: ( اذهب فأطعمه أهلك ) ؛ تخيل قوم من هذا الكلام سقوط الكفارة عن هذا الرجل . فقالوا : هو خاص به . وليس فيه ما يدل على ذلك . بل نقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بين له ما يترتب على جنايته من الكفارة لزم الحكم ، وتقرر في الذمِّة ، ثم لما تبين من حال هذا : أنه عاجز عن الكفارة سقط عنه القيام بما لا يقدر عليه في تلك الحال ، وبقي الحكم في الذمة على ما رتبه أولاً ، فبقيت الكفارة عليه إلى أن يستطيع شيئًا من خصالها . وهذا مذهب الجمهور ، وأئمة الفتوى . وقد ذهب الأوزاعي ، وأحمد : إلى أن حكم من لم يجد الكفارة من سائر الناس سقوطها عنه . ولم يتعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث لقضاء ذلك اليوم ، ولذلك قال بسقوط القضاء عنه طائفة من أهل العلم . وأنه ليس عليه إلا الكفارة . والجمهور على لزوم القضاء مع الكفارة ؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يفعله ، فهو باقٍ عليه ، كالصلوات وغيرها إذا لم تُفْعَل بشروطها . ويتم النظر في هذا الحديث برسم مسائل اختلف فيها : الأولى : إن هذه الكفارة هل هي على الجاني وحده ؟ وهذا كما هو مذهب الجمهور . أو عنه وعن موطوءته ؟ كما صار إليه الشافعي وأهل الظاهر . وليس في الحديث ما يدل على ذلك ، لكن الحديث إنما تعرض للرَّجل ، وسكت عن المرأة ، فيؤخذ حكمها من دليل آخر . ولعله إنما سكت عنها؛ لأنها كانت غير صائمة ؛ لأنها طهرت من حيضتها في أضعاف اليوم ، أو كتابية . وعلى الجملة : فحالها مجهول ، ولا سبيل إلى التحكم بأنها كانت مكرهة ، أو مختارة أو غير ذلك . ومشهور مذهب مالك في المكرهة : أن مكرهها يكفر عنها ؛ لأنه هتكَ صومين بالنسبة إليها وإليه . فكأنه هتك يومين . قال سحنون : لا شيء عليه لها ولا عليها . وبه قال أبو ثور ، وابن المنذر ، ولم يختلف المذهب في أن عليها القضاء . المسألة الثانية : إن قوله : ( هل تجد ؟ ) وبعده : ( فهل تستطيع ؟ ) وبعده : ( فهل تجد ما تطعم ؟ ) ظاهر هذا : الترتيب في هذه الخصال . بدليل عطف الجمل بالفاء المرتبة المعقبة . وإليه ذهب الشافعي ، والكوفيون ، وابن حبيب من أصحابنا . وذهب مالك وأصحابه : إلى التخيير في ذلك ، إلا أنه استحب الإطعام لشدَّة الحاجة إليه ، وخصوصًا بالحجاز . واستدل أصحابنا لمذهبهم بحديث أبي هريرة الآتي بعد هذا ، وهو : أنه قال : أفطر رجل في رمضان فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة ، أو يصوم شهرين ، أو يطعم ستين مسكينًا . فخيره بـ ( أو ) التي هي موضوعة للتخيير . المسألة الثالثة : هذه الكفارة ، هل هي خاصة بمن أفطر بالجماع ؟ وهو مذهب الشافعي ، وأحمد ، وجماعة من السَّلف ، أو هل يلحق بذلك كل هاتك لصوم نهار رمضان بأي وجه كان من أكل ، أو شرب ، أو غيره ؟ وهو مذهب مالك وجماعة . واستدل أصحابنا بحديث أبي هريرة الآتي ، وبالنظر إلى المعنى . وتحقيقه في الفروع ، وبسط ذلك في الفقه . المسألة الرابعة : ذهب جمهورهم : إلى أن الكفارة ثلاثة أنواع ، كما جاء في الحديث . وذهب الحسن وعطاء : إلى أن المكفر إن لم يجد رقبة أهدى بدنة إلى مكة . قال عطاء : أو بقرة . وتمسَّكوا بما رواه مالك في " الموطأ " من مرسل سعيد بن المسيب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ ) قال : لا . قال : ( فهل تستطيع أن تهدي بدنة ؟ ) قال : لا . والصحيح: المسند من الأحاديث ، وليس فيه شيء من ذلك .