204 - 1164 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَزْرَجِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ أَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بِمِثْلِهِ . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ . 39 - باب استحباب صوم ستة من شوال إتباعا لرمضان قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ) فِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ وَمُوَافِقِيهِمْ فِي اسْتِحْبَابِ صَوْمِ هَذِهِ السِّتَّةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُكْرَهُ ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهَا ، قَالُوا : فَيُكْرَهُ ؛ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ . وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ ، وَإِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ لَا تُتْرَكُ لِتَرْكِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَوْ كُلِّهِمْ لَهَا ، وَقَوْلُهُمْ : قَدْ يُظَنُّ وُجُوبُهَا ، يُنْتَقَضُ بِصَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُصَامَ السِّتَّةُ مُتَوَالِيَةً عَقِبَ يَوْمِ الْفِطْرِ ، فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ أَوَائِلِ شَوَّالٍ إِلَى أَوَاخِرِهِ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْمُتَابَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، فَرَمَضَانُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَالسِّتَّةُ بِشَهْرَيْنِ ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ فِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ) صَحِيحٌ ، وَلَوْ قَالَ : ( سِتَّةً ) بِالْهَاءِ جَازَ أَيْضًا ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : صُمْنَا خَمْسًا وَسِتًّا وَخَمْسَةً وَسِتَّةً ، وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُونَ الْهَاءَ فِي الْمُذَكَّرِ إِذَا ذَكَرُوهُ بِلَفْظِهِ صَرِيحًا ، فَيَقُولُونَ : صُمْنَا سِتَّةَ أَيَّامٍ ، وَلَا يَجُوزُ : سِتَّ أَيَّامٍ ، فَإِذَا حَذَفُوا الْأَيَّامَ جَازَ الْوَجْهَانِ ، وَمِمَّا جَاءَ حَذْفُ الْهَاءِ فِيهِ مِنَ الْمُذَكَّرِ إِذَا لَمْ يُذْكَرْ بِلَفْظِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أَيْ : عَشَرَةَ أَيَّامٍ ، وَقَدْ بَسَطْتُ إِيضَاحَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ إِتْبَاعًا لِرَمَضَانَ · ص 238 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وسرر شعبان وصوم المحرم وستة أيام من شوال · ص 235 1164 [1033] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر ) ؛ هذا الحديث خرَّجه النسائي من حديث ثوبان ، وقال فيه : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة بشهرين ، فذلك صيام سنة ) ، وفي رواية أخرى : ( الحسنة بعشر ، فشهر رمضان بعشرة أشهر ، وستة بعد الفطر تمام السَّنة ) . وذكره أيضًا أبو عمر بن عبد البر هكذا . فإن قيل : فيلزم على هذا مساواة الفرض النفل في تضعيف الثواب ، وهو خلاف المعلوم من الشرع ؛ إذ قد تقرر فيه : أن أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى ما افترض عليهم . وبيان ذلك : أنه قد تقدم : أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدَّهر ؛ أي : السَّنة ، وهذه الثلاثة تطوّع بالاتفاق ، فقد لزم مساواة الفرض للنفل في الثواب . والجواب : على تسليم ما ذكر - من أن ثواب الفرض أكثر - أن نقول : إن صيام ثلاثة من كل شهر إنما صار بمنزلة صيام سنة بالتضعيف ؛ لأن المباشر من أيامها بالصوم ثلاثة أعشارها ، ثم لما جعل كل يوم بمنزلة عشر كملت السنة بالتضعيف . وأما صوم رمضان مع الستة : فيصح أن يقال فيه أنه بمنزلة سنة بوشرت بالصوم أيامها ، ثم ضوعفت كل يوم من أيام السَّنة بعشرة ، فيضاعف العدد ، فصارت هذه السنة بمنزلة عشر سنوات بالتضعيف ، وذلك أن السنة ثلاثمائة وستون يومًا ، فإذا ضَرَبتَ ثلاثمائة وستين في عشرة صارت ثلاثة آلاف وستمائة . وإنما صرنا إلى هذا التأويل للحديث الصحيح المتقدم في تفضيل الفرض على غيره ، ولما علم من الشرع : أن أجر الثواب على العمل على القرب محدود بعشر ، وأما أكثره فليس بمحدود ؛ لقوله تعالى : وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ بعد ذكر مراتب التضعيف المذكورة في الآية ؛ التي هي : عشر ، وسبعون ، وسبعمائة ، والمضاعفة المطلقة ، وكذا قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما : ( الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ) ، والله تعالى أعلم . وقد أخذ بظاهر هذا الحديث - أعني : حديث أبي - جماعة من العلماء ، فصاموا هذه الستة إثر يوم الفطر ؛ منهم : الشافعي ، وأحمد بن حنبل . وكره مالك وغيره ذلك ، وقال في موطئه : لم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها ، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السَّلف ، وأهل العلم يكرهون ذلك ، ويخافون بدعته ، وأن يُلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء . قلت : ويظهر من كلام مالك هذا: أن الذي كرهه هو وأهل العلم ، الذين أشار إليهم ، إنما هو أن توصل تلك الأيام الستة بيوم الفطر ، لئلا يظن أهل الجهالة والجفاء أنها بقية من صوم رمضان . وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم ، وينقطع ذلك التخيل . ومما يدل على اعتبار هذا المعنى : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حمى حماية الزيادة في رمضان من أوله بقوله : ( إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم ) ، وبقوله : ( لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين ) . وإذا كان هذا في أوله فينبغي أن تحمى الذريعة أيضًا من آخره ، فإن توهم الزيادة فيه أيضًا متوقع ، فأما صومها متباعدة عن يوم الفطر ، بحيث يؤمن ذلك المتوقع فلا يكرهه مالك ولا غيره . وقد روى مُطَرِّف عن مالك : أنه كان يصومها في خاصة نفسه . قال مُطَرِّف : وإنما كره صيامها لئلا يلحق أهل الجهالة ذلك برمضان ، فأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه . وقال بعض علمائنا : لو صام هذه الستة في غير شوال لكانت إذا ضُمَّت إلى صوم رمضان صيام الدَّهر ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها ، كما ذكره في الحديث ، وإنما خصَّ شوال بالذكر لسهولة الصوم فيه ؛ إذ كانوا قد تعودوه في رمضان . وقوله : ( ثم أتبعه ستًّا من شوال ) ؛ ليس فيه دليل على أنها تكون متصلة بيوم الفطر ، بل لو أوقعها في وسط شوال ، أو آخره ، لصلح تناول هذا اللفظ له ؛ لأن ( ثم ) للتراخي ، وكل صوم يقع في شوال فهو متبع لرمضان ، وإن كان هنالك مهلة . وقد دل على صحة هذا قوله في حديث النسائي : ( وستة بعد الفطر ) ، ولذلك نقول : إن الأجر المذكور حاصل لصائمها ؛ مجموعة أوقعها أو مفترقة ؛ لأن كل يوم بعشرة مطلقًا ، والله تعالى أعلم . قلت : وحديث أبي أيوب المتقدم ، وإن كان قد خرَّجه مسلم ليس بصحيح ، وهو من جملة الأحاديث الضعيفة الواقعة في كتابه ؛ وذلك لأن في إسناده : سعد بن سعيد بن قيس ؛ قال فيه النسائي : ليس بالقوي ، وغيره يضعفه ، كما ذكره الترمذي ، وقد انفرد به عن عمر بن ثابت ، قال أبو عمر بن عبد البر : أظن أن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عند مالك ممن يعتمد عليه . وإنما أنَّث ( ستًّا ) ، وكان حقها أن تذكر من حيث : إن الصوم إنما يوقع في الأيام ، واليوم مذكر ؛ لأنه غلَّب على الأيام الليالي ، كما تفعله العرب ؛ لأن أول الشهر ليلهِ ، وكذلك الصوم : إنما يعزم عليه غالبًا بالليل ، وفيه حجة للمالكية في اشتراط نية التبييت في صوم النفل ، والله تعالى أعلم .