باب فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وسرر شعبان وصوم المحرم وستة أيام من شوال
[1033] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر ) ؛ هذا الحديث خرَّجه النسائي من حديث ثوبان ، وقال فيه : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة بشهرين ، فذلك صيام سنة ) ، وفي رواية أخرى : ( الحسنة بعشر ، فشهر رمضان بعشرة أشهر ، وستة بعد الفطر تمام السَّنة ) . وذكره أيضًا أبو عمر بن عبد البر هكذا .
فإن قيل : فيلزم على هذا مساواة الفرض النفل في تضعيف الثواب ، وهو خلاف المعلوم من الشرع ؛ إذ قد تقرر فيه : أن أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى ما افترض عليهم . وبيان ذلك : أنه قد تقدم : أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدَّهر ؛ أي : السَّنة ، وهذه الثلاثة تطوّع بالاتفاق ، فقد لزم مساواة الفرض للنفل في الثواب . والجواب : على تسليم ما ذكر - من أن ثواب الفرض أكثر - أن نقول : إن صيام ثلاثة من كل شهر إنما صار بمنزلة صيام سنة بالتضعيف ؛ لأن المباشر من أيامها بالصوم ثلاثة أعشارها ، ثم لما جعل كل يوم بمنزلة عشر كملت السنة بالتضعيف .
وأما صوم رمضان مع الستة : فيصح أن يقال فيه أنه بمنزلة سنة بوشرت بالصوم أيامها ، ثم ضوعفت كل يوم من أيام السَّنة بعشرة ، فيضاعف العدد ، فصارت هذه السنة بمنزلة عشر سنوات بالتضعيف ، وذلك أن السنة ثلاثمائة وستون يومًا ، فإذا ضَرَبتَ ثلاثمائة وستين في عشرة صارت ثلاثة آلاف وستمائة . وإنما صرنا إلى هذا التأويل للحديث الصحيح المتقدم في تفضيل الفرض على غيره ، ولما علم من الشرع : أن أجر الثواب على العمل على القرب محدود بعشر ، وأما أكثره فليس بمحدود ؛ لقوله تعالى : وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ بعد ذكر مراتب التضعيف المذكورة في الآية ؛ التي هي : عشر ، وسبعون ، وسبعمائة ، والمضاعفة المطلقة ، وكذا قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما : ( الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ) ، والله تعالى أعلم . وقد أخذ بظاهر هذا الحديث - أعني : حديث أبي - جماعة من العلماء ، فصاموا هذه الستة إثر يوم الفطر ؛ منهم : الشافعي ، وأحمد بن حنبل .
وكره مالك وغيره ذلك ، وقال في موطئه : لم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها ، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السَّلف ، وأهل العلم يكرهون ذلك ، ويخافون بدعته ، وأن يُلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء . قلت : ويظهر من كلام مالك هذا: أن الذي كرهه هو وأهل العلم ، الذين أشار إليهم ، إنما هو أن توصل تلك الأيام الستة بيوم الفطر ، لئلا يظن أهل الجهالة والجفاء أنها بقية من صوم رمضان . وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم ، وينقطع ذلك التخيل .
ومما يدل على اعتبار هذا المعنى : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حمى حماية الزيادة في رمضان من أوله بقوله : ( إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم ) ، وبقوله : ( لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين ) . وإذا كان هذا في أوله فينبغي أن تحمى الذريعة أيضًا من آخره ، فإن توهم الزيادة فيه أيضًا متوقع ، فأما صومها متباعدة عن يوم الفطر ، بحيث يؤمن ذلك المتوقع فلا يكرهه مالك ولا غيره . وقد روى مُطَرِّف عن مالك : أنه كان يصومها في خاصة نفسه .
قال مُطَرِّف : وإنما كره صيامها لئلا يلحق أهل الجهالة ذلك برمضان ، فأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه . وقال بعض علمائنا : لو صام هذه الستة في غير شوال لكانت إذا ضُمَّت إلى صوم رمضان صيام الدَّهر ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها ، كما ذكره في الحديث ، وإنما خصَّ شوال بالذكر لسهولة الصوم فيه ؛ إذ كانوا قد تعودوه في رمضان . وقوله : ( ثم أتبعه ستًّا من شوال ) ؛ ليس فيه دليل على أنها تكون متصلة بيوم الفطر ، بل لو أوقعها في وسط شوال ، أو آخره ، لصلح تناول هذا اللفظ له ؛ لأن ( ثم ) للتراخي ، وكل صوم يقع في شوال فهو متبع لرمضان ، وإن كان هنالك مهلة .
وقد دل على صحة هذا قوله في حديث النسائي : ( وستة بعد الفطر ) ، ولذلك نقول : إن الأجر المذكور حاصل لصائمها ؛ مجموعة أوقعها أو مفترقة ؛ لأن كل يوم بعشرة مطلقًا ، والله تعالى أعلم . قلت : وحديث أبي أيوب المتقدم ، وإن كان قد خرَّجه مسلم ليس بصحيح ، وهو من جملة الأحاديث الضعيفة الواقعة في كتابه ؛ وذلك لأن في إسناده : سعد بن سعيد بن قيس ؛ قال فيه النسائي : ليس بالقوي ، وغيره يضعفه ، كما ذكره الترمذي ، وقد انفرد به عن عمر بن ثابت ، قال أبو عمر بن عبد البر : أظن أن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عند مالك ممن يعتمد عليه . وإنما أنَّث ( ستًّا ) ، وكان حقها أن تذكر من حيث : إن الصوم إنما يوقع في الأيام ، واليوم مذكر ؛ لأنه غلَّب على الأيام الليالي ، كما تفعله العرب ؛ لأن أول الشهر ليلهِ ، وكذلك الصوم : إنما يعزم عليه غالبًا بالليل ، وفيه حجة للمالكية في اشتراط نية التبييت في صوم النفل ، والله تعالى أعلم .