كِتَاب الِاعْتِكَافِ 1 - 1171 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ . ( كِتَابُ الِاعْتِكَافِ ) بَابُ اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ هُوَ فِي اللُّغَةِ : الْحَبْسُ وَالْمُكْثُ وَاللُّزُومُ ، وَفِي الشَّرْعِ : الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَيُسَمَّى الِاعْتِكَافُ جَوَازًا ، وَمِنْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي أَوَائِلِ الِاعْتِكَافِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ . وَذَكَرَ مُسْلِمٌ الْأَحَادِيثَ فِي اعْتِكَافِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَالْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ ، فَفِيهَا اسْتِحْبَابُ الِاعْتِكَافِ وَتَأَكُّدِ اسْتِحْبَابِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، عَلَى أَنَّهُ مُتَأَكِّدٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُوَافِقِيهِمْ : أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ ، بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْفِطْرِ ، وَيَصِحُّ اعْتِكَافُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَضَابِطُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا : مُكْثُ يَزِيدَ عَلَى طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ أَدْنَى زِيَادَةٍ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَارِّ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ ، وَالْمَشْهُورُ : الْأَوَّلُ ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ جَالِسٍ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِانْتِظَارِ صَلَاةٍ أَوْ لِشُغُلٍ آخَرَ مِنْ آخِرَةٍ أَوْ دُنْيَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ ، فَيُحْسَبُ لَهُ وَيُثَابُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ جَدَّدَ نِيَّةً أُخْرَى ، وَلَيْسَ لِلِاعْتِكَافِ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ وَلَا فِعْلٌ آخَرُ سِوَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ دُنْيَا ، أَوْ عَمِلَ صَنْعَةً مِنْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرُونَ : يُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِكَافِ الصَّوْمُ ، فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ مُفْطِرٍ ، وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِاعْتِكَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَبِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَاللَّيْلُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ : أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَزْوَاجَهُ وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا اعْتَكَفُوا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْمَشَقَّةِ فِي مُلَازَمَتِهِ ، فَلَوْ جَازَ فِي الْبَيْتِ لَفَعَلُوهُ وَلَوْ مَرَّةً لَا سِيَّمَا النِّسَاءُ ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُنَّ إِلَيْهِ فِي الْبُيُوتِ أَكْثَرُ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ اخْتِصَاصِهِ بِالْمَسْجِدِ ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ ، هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ وَالْجُمْهُورِ سَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُهَيَّأُ مِنْ بَيْتِهَا لِصَلَاتِهَا ، قَالَ : وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ ، وَكَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِمَا ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ الْمُشْتَرِطُونَ الْمَسْجِدَ الْعَامَّ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَجُمْهُورُهُمْ : يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ تُقَامُ الْجَمَاعَةُ الرَّاتِبَةُ فِيهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ : يَخْتَصُّ بِالْجَامِعِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، وَنَقَلُوا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الصَّحَابِيِّ اخْتِصَاصَهُ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، وَالْأَقْصَى ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ الِاعْتِكَافِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ · ص 246 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان · ص 246 ( 3 ) باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان 1171 ( 2 ) [1038] عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ . قال نافع : وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد . ( 3 ) ومن باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان قول نافع : ( وقد أراني عبد الله المكان الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف فيه ) ؛ يعني : الموضع الذي كان اختصه لنفسه ؛ الذي كانت عليه القبة التركية ، ومع أنه اختص بموضع من المسجد فهو كان الإمام في حال اعتكافه ، فكان يصلِّي بهم في موضعه المعتاد ، ثم يرجع إلى معتكفه بعد انقضاء صلاته . وتحصل منه : جواز إمامة المعتكف ، وقد منعها سحنون في أحد قوليه في الفرض والنفل . والجمهور على جواز ذلك . واختلف من هذا الباب في مسائل : منها : أذان المعتكف ، منعه مالك مرة وأجازه أخرى . والكافة على جوازه ، وهذا في المنار . أما في غيره فلا خلاف في جوازه ، فيما أعلم . وأما خروجه لعيادة المرضى ، أو لصلاة على جنازة : فمنع ذلك مالك ، وكافتهم ، وأجازه الحسن ، والنخعي ، وغيرهما . وأجاز إسحاق ، والشافعي اشتراط ذلك عند دخوله في التطوع لا النذر . واختلف فيه قول أحمد . ومنع ذلك مالك وغيره . ومنع مالك اشتغاله في المسجد بسماع علم ، وكتابته ، أو بالأمور المباحة كالعمل في الخياطة وشبه ذلك ، إلا فيما خفَّ من هذا كله . وأباح له الشافعي وأبو حنيفة الشغل في المسجد بما يباح من ذلك كله ، أو يرغب فيه من طلب العلم . وأما خروج المعتكف من المسجد فلا يجوز إلا لقضاء حاجته ، أو شراء طعام ، أو شراب مما يحتاج إليه ولم يجد من يكفيه ذلك ؛ لقول عائشة : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ) ؛ تعني به : الحدث . ويلحق به ما يكون محتاجًا إليه كشراء طعام وشراب على ما تقدم . وإدامته - صلى الله عليه وسلم - الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ؛ إنما كان لما أبين له : أن ليلة القدر فيه ، وإلا فقد اعتكف في العشر الأول وفي الوسط على ما تقدَّم من حديث أبي سعيد . ثم من اعتكف في العشر الأواخر من رمضان ؛ فهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد ؛ فيصلي ، وحينئذ يرجع إلى منزله ؟ أو يجوز له أن يخرج عند غروب الشمس من آخر يوم رمضان ؟ قولان للعلماء ؛ والأول هو قول مالك ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما . وهو محكي عن السَّلف . واختلف أصحاب مالك إذا لم يفعل ؛ هل يبطل اعتكافه ؟ أم لا يبطل ؟ قولان . وذهب الشافعي ، والليث ، والأوزاعي ، والزهري في آخرين : إلى أنه يجوز خروجه ليلة الفطر ، ولا يلزمه شيء مما قاله مالك . وظاهر مذهب مالك : أن ذلك على وجه الاستحباب ؛ لأن بعض السَّلف فعله ، ولأنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وكون أزواجه اعتكفن بعده حجة على من منع اعتكاف النساء في المسجد ، فإنهن إنما اعتكفن على نحو ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف ؛ لأن الراوي عنهن ساق اعتكاف النبي - صلى الله عليه وسلم - واعتكافهن مساقًا واحدًا ، ولو خالفنه في المسجد لذكره ، وكان يقول : غير أن ذلك في بيوتهن .