[276] - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ فَقُلْتُ لَهُ : الصَّلَاةَ قَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ ، فَرَكِبَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . ( 47 ) بَابُ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ " وَاسْتِحْبَابُ صَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعًا بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ " فِيهِ حَدِيثُ أُسَامَةَ ، وَسَبَقَ بَيَانُ شَرْحِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا . وَفِيهِ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ : فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا جَازَ ، وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي آخِرِ الْبَابِ : ( أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ) وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَعَ جَابِرٍ زِيَادَةَ عِلْمٍ ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَلِأَنَّ جَابِرًا اعْتَنَى الْحَدِيثَ وَنَقَلَ حَجَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْصَاةً ، فَهُوَ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْأَذَانُ لِلْأُولَى مِنْهُمَا ، وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إِقَامَةٌ فَيُصَلِّيهِمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَيُتَأَوَّلُ حَدِيثُ ( إِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ) أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَهَا إِقَامَةٌ ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا لِيُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَبَيْنَهُ أَيْضًا وَبَيْنَ رِوَايَةِ جَابِرٍ ، وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ أَوَّلَ قُدُومِهِ الْمُزْدَلِفَةَ ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا إِلَى قُبَيْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ إِذَا كَانَ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ؛ لِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ) ، وَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْأُولَى فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ فَصَلَ ؛ بَطَلَ الْجَمْعُ وَلَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ إِلَّا فِي وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ) فَفِيهِ : أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ شَيْئًا ، وَمَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ ، لَكِنْ يَفْعَلُهَا بَعْدَهُمَا لَا بَيْنَهُمَا ، وَيَفْعَلُ سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا الصَّلَاتَيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( نَزَلَ فَبَالَ ) وَلَمْ يَقُلْ أُسَامَةُ : أَرَاقَ الْمَاءَ ، فِيهِ أَدَاءُ الرِّوَايَةِ بِحُرُوفِهَا ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ صَرَائِحِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي قَدْ تُسْتَبْشَعُ وَلَا يُكَنَّى عَنْهَا إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّصْرِيحِ بِأَنْ خِيفَ لَبْسُ الْمَعْنَى أَوِ اشْتِبَاهُ الْأَلْفَاظِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ وَاسْتِحْبَابُ صَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعًا بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ · ص 407 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة · ص 389 ( 36 ) باب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة 1280 [1138] عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قال : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ. - وَفِي رِوَايَةٍ : تَوضأ وضوءا خفيفا - فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ قَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . وَفِي رِوَايَةٍ : فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ ، فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا قُلْتُ: وَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ . ( 36 ) ومن باب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة قوله في حديث أسامة : ( أنه - صلى الله عليه وسلم - نزل فبال ، ثم توضأ ، ولم يسبغ الوضوء ) ؛ أي : لم يكمله . وهل اقتصر على بعض الأعضاء ؛ فيكون وضوءًا لغويًا؟ أو اقتصر على بعض الأعداد - وهو الواحدة مع استيفاء الأعضاء - فيكون وضوءًا شرعيًّا ؟ قولان لأهل الشرح. وكلاهما محتمل. وقد عضد من قال بالشرعي قوله بقول الراوي : ( وضوءًا خفيفًا ). فإنه لا يقال في النَّاقص من الأصل : خفيف ؛ وإنما يقال : خفيف ؛ في ناقص الكيفية . ولا خلاف في أن قوله : ( فأسبغ الوضوء ) : أنه شرعي. وقوله : ( ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثم أقيمت العشاء ) ؛ دليل على جواز على الإقامة في الجمع من غير أذان . وقد تقدم الخلاف في ذلك في حديث جابر ، وأنه ذكر فيه الأذان للأولى. ويحتمل قوله : ( أقيمت ) - هاهنا - : شرع فيها ، ففعلت بأحكامها ، كما يقال : أقيمت السُّوق ، إذا حرك فيها ما يليق بها من البيع والشراء . ولم يقصدِ الإخبار عن الإقامة ، بل عن الشروع . وقوله : ( ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ) ؛ يعني : أنهم بادروا بالمغرب عند وصولهم إلى المزدلفة ، فصلوها قبل أن يُنَوِّخوا إبلهم ، ثم لما فرغوا من صلاة المغرب نوَّخوها ، ولم يحلُّوا رحالهم من عليها ، كما قال في الرواية الأخرى ؛ وكأنها شوَّشت عليهم بقيامها ، فأزالوا ما شوَّش عليهم. ويُستدل به على جواز العمل اليسير بين الصلاتين المجموعتين . وقوله : ( ولم يصل بينهما شيئًا ) ؛ حجَّة على من أجاز التنفل بين الصلاتين المجموعتين . وهو قول ابن حبيب من أصحابنا. وخالفه بقية أصحابنا ، فمنعوه . وقوله : ( ولم يَحلُّوا ) - بضم الحاء - ؛ يعني : أنهم لم يَحلُّوا رحالهم ، ولا سبيل إلى كسر الحاء ، كما توهمه من جَهِل . وقوله : ( كيف فعلتم حين أصبحتم ؟ قال : رَدِفَه الفضلُ ابن عباس ، وانطلقتُ أنا في سُبَّاق قريش على رجليّ ) ؛ فظهر منه أن هذا الجواب غير مطابق لما سأله عنه ، فإنه سأله عن كيفية صنعهم للنسك ، فأجابه بإردافه الفضل بن العباس ، وسبقه على رجليه. وليس كذلك ، بل هو مُطابقٌ ؛ لأنه أخبره بما يتضمن نفرهم من المزدلفة إلى منى ، فكأنه قال : نفرنا إلى منى .