[448] - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ يَحْيَى ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، أَلَا وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ ، لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا ، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْطَى يَعْنِي الدِّيَةَ ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ فَقَالَ : اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ : إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ غَيْرَ الْقُرْآنِ ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : " مَا عِنْدَهُ إِلَّا مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ " وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ . وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ ، فَمِنَ السَّلَفِ مَنْ مَنَعَ كِتَابَةَ الْعِلْمِ ، وَقَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ بِجَوَازِهِ ، ثُمَّ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ بَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ بِجَوَابَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَكَانَ النَّهْيُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ اشْتِهَارِ الْقُرْآنِ لِكُلِّ أَحَدٍ ، فَنهي عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِهِ خَوْفًا مِنَ اخْتِلَاطِهِ وَاشْتِبَاهِهِ . فَلَمَّا اشْتُهِرَ وَأُمِنَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ أَذِنَ فِيهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِمَنْ وُثِقَ بِحِفْظِهِ وَخِيفَ اتِّكَالُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ لَمْ يُوثَقْ بِحِفْظِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَحْرِيمِ مَكَّةَ وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا وَخَلَاهَا وَشَجَرِهَا وَلُقَطَتِهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ · ص 487 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها · ص 475 1355 [1214] وعن أَبَي هُرَيْرَةَ قال : إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، أَلَا وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ ، لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُعْطَى - يَعْنِي الدِّيَةَ ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ . قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاةٍ ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَقَالَ: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاةٍ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الْإِذْخِرَ ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ . قال الوليد بن مسلم : فقلت للأوزاعي : ما قوله اكتب لي يا رسول ؟ قال : هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله إن الله حبس عن مكة الفيل ؛ يعني به فيل أبرهة الأشرم الحبشي الذي قصَد خراب الكعبة ، فلمَّا وصل إلى ذي المجاز - سوق للعرب قريب من مكة - عبَّأ فِيْلَه وجهَّزه إلى مكة ، فلمَّا استقبل الفيل مكة رزم ؛ أي أقام وثبت ، فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقدروا عليه ، واستقبلوا به جهة مكة فامتنع ، فلم يزالوا به هكذا حتى رماهم الله بالحجارة التي أرسل الطير بها على ما هو مذكور في السِّير وفي كتب التفسير . وقوله ومن قُتِل له قتيل فهو بخير النَّظَرَين ، الحديث حجة للشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وروي عن ابن المسيب وابن سيرين على قولهم : إن ولي دم العمد بالخيار بين القصاص والدِّية ، ويُجْبَر القاتل عليها إذا اختارها الولي - وهي رواية أشهب عن مالك ، وذهب مالك في رواية ابن القاسم وغيره إلى أن الذي للولي إنما هو القتل فقط أو العفو ، وليس له أن يجبر القاتل على الدِّية تمسُّكًا بقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى و : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : كتاب الله القصاص ، وفي المسألة أبحاث تنظر في مسائل الخلاف . وقوله اكتبوا لأبي شاة دليل على جواز كتابة العلم ، وهو مذهب الجمهور ، وقد كرهه قومٌ من أهل العلم تمسُّكًا بحديث أبي سعيد الآتي في كتاب العلم ، وكان محمل النهي الذي في حديث أبي سعيد إنما هو لئلا يتكل الناس على الكتب ويتركوا الحفظ ، أو لئلا يُخلط بالقرآن غيرُه ؛ لقوله في الحديث نفسه : من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه .